اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. عاصم منصور : "هامنت" للحزن وجوه كثيرة

د. عاصم منصور : هامنت للحزن وجوه كثيرة
أخبارنا :  

عندما قرأت اسم فيلم «هامنت» ضمن الأفلام المرشحة لجائزة الأوسكار ظننتُ للوهلة الأولى أنّ هنالك خطأ مطبعيا في عنوان الفيلم، فمعظمنا يعرف تراجيديا شكسبير الخالدة «هاملت» التي أشبعها المخرجون بحثا وتقديما؛ لكني اكتشفت أنني أمام فيلم مختلف يعرض لنا علاقة شكسبير بزوجته آن هاثاواي وطريقة ردة فعل كل منهما على الوفاة المُبكِّرة لطفلهما «هامنت»، فلم تخل ثقافة عالمية من الاشتغال بهاجس الموت، إذ تجسد الأعمال الأدبية والفنية فهم البشر للموت وتأثيره على الحياة.

 


يحاول الفيلم أن ينقل للمُشاهد أحد أكثر المشاعر الإنسانية هشاشةً وهو كيفية التعامل مع فقد عزيز، تلك اللحظة التي لا يعود الإنسان بعدها كما كان. فالفقد لا يكتفي باختطاف الأحبة، بل يُعيد تشكيل طريقة رؤيتنا للعالم من أساسها. لذلك لم يتعامل الفيلم مع حادثة الموت بوصفها حدثا دراميا عابرا، بل كتجربة بشرية عميقة تكشف كيف يواجه الناس الحزن بطرق مختلفة، وكيف يُعري الفقد دواخلنا، بين من ينهار، ومن يصمت، ومن يهرب، ومن يحاول النجاة بالكتابة أو بالعمل.

الفيلم المستوحى من رواية ماغي أوفاريل، يُعيد صياغة حادثة وفاة الطفل «هامنت» من منظور الأم المكلومة التي أدّت دورها بجدارة جيسي باكلي التي قدمت من خلال تعابير وجهها براعة استثنائية؛ وجهٌ يختزل في آنٍ واحد لمحات من الذكاء، وشيئا من الحنان وكثيرا من الوجع، وجه لا يحتاج إلى كلمات كثيرة للإفصاح عن مشاعر صاحبته؛ فيكفي أن تنظر إليه لتشعر بثقل ما يخفي وراءه.

ــ الغد

لهذا جاء فوز باكلي بالأوسكار مستحقا، لأنه يُكافئ أداء عَرف كيف يجعل الحزن حيًا ومقنعا ومؤلما، دون صخب ولا افتعال. فهي ليست مجرد أم مفجوعة؛ بل امرأة تُشعرك أنّ الفقد لم يكن حادثة عارضة في حياتها، بل صار جزءا من تكوينها، فلا تشعر وأنت تشاهدها أنها تؤدي دورا؛ بل تقدّم كتلة من الأحاسيس والحزن السحيق المتجذّر في أعماق الروح، وهو الحزن الذي سيغدو لاحقا عصب الفيلم ومحوره.

لا يُقدّم الفيلم قصة «هامنت» من منظور تاريخي بارد، بل من زاوية إنسانية شديدة القرب، ولا يعنى بحكاية من مات، بل بحكاية كيف عاش من بقي بعده. فبينما يهرب شكسبير من حزنه إلى اللغة التي يمتلك ناصيتها، يبني من كلماتها واقعا آخر يُعيد فيه ابنه إلى الحياة، ويُحوّل الفقد إلى طقس إبداعي يمنح الطفل جسدًا يُستدعى كل مساء على خشبة المسرح من خلال مسرحيته الخالدة؛ تبقى الأم حارسةً حسيّة للحزن، تمارس حدادها بصمت مكثّف، إذ يُحفر الغياب في خلايا جسدها وشرايينها قبل أن يُكتب في أي نصٍّ مرئي أو مقروء.

كما أبدع المخرج في توظيف طبيعة الريف الإنجليزي بذكاء فائق؛ فلم تكن المشاهد الخارجية مجرّد خلفية بصرية جميلة، بل مرآةً للحالة النفسية للشخصيات؛ فالمطر والطين والهواء والضوء والحقول الممتدة كلها تبدو وكأنها تشارك الشخصيات وجعها الصامت، وكأن الفقد مرضٌ معدٍ لا يسكن القلب وحده، بل يتسلل إلى كل ما حوله.

«هامنت» ليس فيلما عن الموت بقدر ما هو فيلم عن الطريقة التي نعيش بها الحزن بعده؛ عن تلك المسافة بين ما نفقده وما يبقى فينا منه، وعن البشر حين يحاولون النجاة من الفقد بطرق لا يشبه أي منها الآخر. وربما لهذا كان أداء جيسي باكلي مؤثرا إلى هذا الحد فهي لم تُجسد الفقد فحسب؛ بل جعلتنا نشعر به كأنه شيء نعيشه جميعًا.

لقد كنت خلال عملي عبر السنين على تماس مباشر مع العديد من حالات الفقد وفي كل مرة أزداد دهشة من طبيعة هذه النفس البشرية التي تبهرك من مدى تعقيدها وتنوعها.


مواضيع قد تهمك