د. أميرة يوسف مصطفى : العيد.. قبل أن يستعيدنا العالم من جديد
قبل سنوات وفي صباح عيد قديم، رأيت رجلا يخرج من المخبز حاملا أكياس الخبز الساخنة بكلتا يديه، كان يمشي ببطء لافت، كأنه يحمل شيئا أثقل من الخبز نفسه، وخلفه كانت المدينة تستيقظ على عادتها اليومية: سيارات متلاحقة وهواتف مضاءة ورسائل عمل تصل حتى في يوم العيد. لكنه لم يكن مستعجلا، فقد كان يمشي كما لو أنه نجح -ولو مؤقتا- في انتزاع نفسه من ذلك السباق الطويل الذي يلتهم أعمار الناس دون ضجيج.
لا أعرف لماذا بقي هذا المشهد في ذاكرتي كل هذه السنوات، لكنني كلما جاء عيد الأضحى شعرت أن العيد ليس مناسبة دينية فحسب، بل هدنة قصيرة يستعيد فيها الإنسان حقه في أن يعيش الحياة لا أن يلاحقها فقط.
نحن لا نعيش اليوم أزمة وقت كما نظن، لكنها أزمة حضور، الوقت موجود لكنه يتسرب من بين أرواحنا كالماء، نقضي أيامنا في ملاحقة الأخبار والإشعارات والمهام المؤجلة، حتى أصبحت الراحة نفسها مهمة إضافية على قائمة طويلة لا تنتهي، نأكل ونحن نفكر بما بعد الطعام، ونتحدث بينما تحدق أعيننا في الشاشات، ونزور بعضنا بعقول متعبة لا تصل كاملة إلى المكان.
لهذا يبدو العيد مختلفا.
إنه لا يمنحنا وقتا إضافيا بل يعيد إلينا الإحساس بالوقت نفسه.
في العيد يعود الصوت البشري إلى دفئه الأول، ويصبح السؤال البسيط: «كيف حالك؟» سؤالاً حقيقيا لا افتتاحية عابرة، وربما لهذا يبدو الأطفال أكثر صدقا في هذه الأيام؛ لأنهم لم يتعلموا بعد كيف يعيش الإنسان نصف حاضر ونصف غائب.
العالم اليوم يمسك بأيدينا من كل اتجاه، لكنه يترك وحشة صغيرة تنام في صدورنا. اتصال بلا لمس وزحام بلا لقاء، لدينا مئات الأسماء في قوائم التواصل، لكن قلة فقط تعرف نبرة حزننا حين نصمت. نشارك صور موائد العيد خلال ثوان، لكننا احيانا نعجز عن الجلوس إلى تلك الموائد دون أن يخطفنا الهاتف من منتصف اللحظة.
لهذا يقاوم العيد كل هذا بطريقته البسيطة والعميقة.
إنه يعيد الاعتبار للأشياء التي لا يمكن تحميلها الكترونيا: رائحة القهوة في بيت الأم، وصوت التكبيرات المتسلل من نافذة قريبة قبيل الصلاة، وصينية المعمول التي تدور بين الأيدي، وارتباك الأطفال بثيابهم الجديدة قبل أن يكتشفوا جيوب العيدية، وحتى ضحكة الجد حين تأتي متقطعة وضعيفة، تبدو أكثر صدقا من ألف مقطع مصور بعناية.
أتذكر طفلا في أحد الأعياد كان يسأل جدته بإلحاح: «لماذا لا تمسكين الهاتف مثلنا؟» فضحكت المرأة العجوز وهي توزع العيديات بيديها المرتجفتين وقالت ببساطة: «لأنني أريد أن أرى وجوهكم كاملة.» يومها شعرت أن تلك المرأة قالت، بعفوية نادرة، كل ما نحاول نحن قوله في مقالات طويلة.
حتى الأضحية في معناها الأعمق، ليست مجرد شعيرة تؤدى ثم تنتهي، بل تذكير هادئ بأن الحياة لا تبنى على الأخذ وحده. في عالم يتعلم فيه الجميع كيف يراكمون الأشياء، يأتي العيد ليعيد للإنسان قيمة أن يقتطع من رزقه ووقته وراحته لأجل غيره، ليست المسألة في اللحم ذاته بل في الفكرة التي تختبئ خلفه: أن الإنسان لا يكتمل وحده، وأن اليد التي تمتد بالعطاء لا تمنح الآخرين فقط، بل تنقذ صاحبها أيضا من قسوة الاكتفاء بالنفس.
ومع ذلك ليس كل الناس يدخلون العيد بالدفء نفسه، هناك بيوت ينقصها صوت غائب، وأرواح تستقبل التكبيرات بقلب مثقل بالفقد. لكن العيد حتى في لحظاته الحزينة، يظل محاولة جماعية كي لا يترك الإنسان وحيدا تماما أمام هشاشته.
أحيانا أشعر أن العيد هو الفرصة الأخيرة كل عام كي لا نصبح نسخا معدنية من أنفسنا.
فالإنسان لا يموت فقط حين يتوقف قلبه، بل حين يفقد قدرته على الدهشة، وعلى الفرح البسيط، وعلى الجلوس مع من يحب دون استعجال. ولهذا لا أرى عيد الأضحى طقسا عابرا في رزنامة الأيام، بل فرصة سنوية لاستعادة ما يتآكل داخلنا ببطء: الطمأنينة والدفء والقدرة على الحضور الكامل.
لأن العيد لا يوقف الزمن لكنه يعيد إلينا الحق في أن نملكه لحظة واحدة قبل أن يستعيدنا العالم من جديد.