م. سعيد بهاء المصري : الشرق الأوسط بين الحروب الوجودية وشبكات المصالح
هل يولد السلام من قلب الإنهاك؟ .
منذ عقود طويلة، بدا الشرق الأوسط وكأنه محكوم بدوامة لا تنتهي من الحروب والصراعات والاصطفافات العقائدية الحادة.
من الحرب العراقية الإيرانية، إلى احتلال العراق، إلى الحروب السورية واللبنانية واليمنية، وصولاً إلى المواجهات الأخيرة التي وضعت المنطقة مجدداً على حافة انفجار إقليمي واسع، بدا وكأن هذه الجغرافيا كُتب عليها أن تبقى أسيرة الدم والحدود النفسية المغلقة وانعدام الثقة.
لكن التاريخ أحياناً يصنع أكثر التحولات عمقاً من قلب الإنهاك نفسه.
فالحروب الكبرى لا تغيّر الخرائط العسكرية فقط، بل تعيد تشكيل العقول، وتفرض على القوى المتصارعة إعادة تعريف معنى النصر ومعنى البقاء ومعنى الاستقرار.
واليوم، وبين ركام المواجهات الممتدة بين الولايات المتحدة وإيران، وبين المخاوف الإسرائيلية العميقة، وبين القلق الخليجي من التهديدات الأمنية، وبين التعب الشعبي الذي أصاب شعوب المنطقة كلها، تبرز للمرة الأولى منذ سنوات طويلة ملامح سؤال مختلف:
هل يمكن أن يتحول الشرق الأوسط من ساحة صراع وجودي مفتوح إلى شبكة مصالح متشابكة تجعل الحرب عبئاً على الجميع؟
هذا السؤال لم يكن مطروحاً بجدية خلال العقود الماضية، لأن المنطقة كانت تتحرك ضمن منطق المحاور الصلبة:
محور مقاومة، ومحور اعتدال، ومحاور دولية متصارعة، وحروب بالوكالة، واقتصادات مغلقة على الخوف.
أما اليوم، فالمشهد بدأ يتغير بصورة تدريجية وعميقة.
فالولايات المتحدة، رغم قوتها العسكرية الهائلة، باتت تدرك أن الحروب المفتوحة في الشرق الأوسط لم تعد تحقق لها العائد الاستراتيجي الذي كانت تحققه في العقود السابقة، خصوصاً في ظل صعود الصين وتحوّل مركز الثقل الاقتصادي العالمي نحو آسيا.
وإيران، رغم قدرتها على الصمود والمناورة، دفعت أثماناً اقتصادية واجتماعية هائلة جعلت فكرة «الدولة الثورية المعزولة» أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
أما إسرائيل، فقد اكتشفت أن التفوق العسكري وحده لا يستطيع إنهاء الصراعات التاريخية بصورة نهائية، وأن الأمن طويل الأمد لا يتحقق فقط بالقوة، بل أيضاً ببناء بيئة إقليمية أقل عدائية وأكثر قابلية للردع المتبادل.
وفي الخليج، بدأت الأولويات الاقتصادية والتنموية والتحول نحو اقتصادات ما بعد النفط تفرض نفسها بقوة، بحيث أصبحت الاستثمارات والاستقرار والممرات التجارية والطاقة والتكنولوجيا عناصر تتقدم تدريجياً على منطق الحروب المفتوحة.
وسط هذا المشهد، بدأت تتشكل بهدوء فكرة جديدة للشرق الأوسط:
ليس شرق أوسط الأحلاف العسكرية المغلقة، بل شرق أوسط الشبكات الاقتصادية والممرات متعددة الطبقات.
ممرات لا تنقل البضائع فقط، بل:
الطاقة، والبيانات، والاستثمارات، وسلاسل التوريد، والربط الصناعي، والتكامل الرقمي.
ومن هنا تبرز مشاريع مثل IMEC وغيرها ليس فقط كمشاريع نقل، بل كمحاولة لإعادة تعريف الجغرافيا السياسية للمنطقة عبر المصالح الاقتصادية المتبادلة.
لكن السؤال الأخطر يبقى:
هل يمكن لإيران نفسها أن تتحول من لاعب ثوري صدامي إلى قوة إقليمية مندمجة داخل هذا النظام الجديد؟
هذا هو جوهر المفاوضات غير المعلنة التي تدور اليوم خلف الستار.
فالولايات المتحدة لا تبدو وكأنها تسعى إلى إسقاط إيران بقدر ما تسعى إلى إعادة ضبط سلوكها:
إيران غير نووية، أقل تدخلاً عسكرياً، أكثر اندماجاً اقتصادياً، وأقل ارتباطاً بمنطق الحرب الدائمة.
وفي المقابل، قد تحصل إيران على:
رفع تدريجي للعقوبات، وإعادة دمج اقتصادي، واستعادة دورها الطبيعي كدولة إقليمية كبرى.
لكن هذا المسار لا يخلو من تناقضات عميقة.
فإسرائيل تنظر إلى إيران ليس فقط كتهديد عسكري، بل كقوة حضارية وجيوسياسية ضخمة يمكن أن تعود مستقبلاً لتشكيل تحدٍ استراتيجي حتى لو هدأت مؤقتاً.
كما أن انفتاح إيران واندماجها الاقتصادي قد يقود في النهاية إلى شرق أوسط متعدد الأقطاب، لا شرق أوسط تدور كل مفاصله حول مركز إقليمي واحد.
وربما تكون إحدى أهم التحولات التي يحملها هذا المشهد الجديد هي الانتقال التدريجي من فكرة «الشرق الأوسط ذي المركز الواحد» إلى شرق أوسط متعدد الأقطاب الإقليمية.
فإذا اندمجت إيران مستقبلاً ضمن منظومة الاستقرار الإقليمي، وتخلّت عن سياسات الصدام المفتوح، فإن المنطقة قد تشهد ولادة توازن جديد يقوم على وجود عدة مراكز قوة كبرى:
تركيا بثقلها الجغرافي والصناعي والعسكري،
وإسرائيل بتفوقها التكنولوجي والاقتصادي،
وإيران بعمقها الحضاري والديموغرافي والجيوسياسي،
إلى جانب الثقل العربي الخليجي والمصري،
مع حضور باكستان كعنصر توازن استراتيجي يمتلك ثقلاً سكانياً وعسكرياً ونووياً، ويربط بين جنوب آسيا والعالم الإسلامي والخليج.
وفي مثل هذا النظام، لن يكون الاستقرار قائماً على هيمنة طرف واحد على الإقليم، بل على توازن المصالح والردع المتبادل والتكامل الاقتصادي، بحيث تصبح كلفة الصدام الشامل أعلى من مكاسب الهيمنة.
وهنا قد يتحول مفهوم «السلام الحذر» من مجرد هدنة مؤقتة إلى إطار طويل الأمد لإدارة التنافس ضمن قواعد تمنع الانفجار الإقليمي، وتفتح الباب تدريجياً أمام تعاون اقتصادي وممرات طاقة وبيانات وتجارة تربط الجميع بمصالح يصعب التضحية بها.
لكن أي حديث عن شرق أوسط جديد قائم على التوازنات والتكامل الاقتصادي لن يستطيع الصمود ما لم ينجح في مواجهة ثلاث قضايا شديدة الحساسية ستحدد مستقبل المنطقة لعقود قادمة.
القضية الأولى تتمثل في مستقبل الشعب الفلسطيني، إذ لا يمكن بناء استقرار إقليمي طويل الأمد دون أفق سياسي حقيقي يُعيد للفلسطينيين الأمل بحق تقرير المصير على أرضهم في الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن صيغة عادلة تنهي حالة الصراع المفتوح. فالقضية الفلسطينية ليست مجرد ملف حدودي، بل قضية هوية وكرامة وشرعية سياسية في الوعي العربي والإسلامي، وأي نظام إقليمي يتجاوزها سيبقى معرضاً للاهتزاز والانفجار.
أما القضية الثانية، فتتعلق بمستقبل التوازنات الإقليمية نفسها، ومدى قدرتها على الحد من مشاريع الهيمنة والتوسع الأيديولوجي أياً كان مصدرها. فكما يثير النفوذ الإيراني العابر للحدود مخاوف واسعة في المنطقة، فإن الخطابات الصادرة عن بعض التيارات الصهيونية المتشددة داخل إسرائيل، والتي تتحدث عن «إسرائيل الكبرى» أو تطرح تصورات توسعية تتجاوز حدود الدولة القائمة، تُبقي بدورها حالة القلق وعدم الثقة قائمة في الوعي العربي والإقليمي. ولذلك فإن أي منظومة إقليمية مستقرة لن تستطيع الاستمرار ما لم تقم على مبدأ واضح: احترام سيادة الدول وحدودها ورفض فرض الهيمنة أو إعادة رسم المنطقة بمنطق القوة أو العقائد التوسعية.
أما التحدي الثالث، وربما الأكثر تعقيداً، فيتعلق بقدرة إيران نفسها على التحول من سياسة النفوذ غير المباشر عبر الحلفاء المسلحين إلى سياسة الدولة الإقليمية الطبيعية القائمة على احترام سيادة الدول. فقد أظهرت تجارب لبنان والعراق واليمن كيف يمكن لازدواجية السلاح والقرار السياسي أن تضعف مؤسسات الدولة المركزية وتُدخل تلك الدول في أزمات داخلية مزمنة. ولذلك فإن نجاح أي منظومة إقليمية جديدة سيعتمد إلى حد كبير على قدرة جميع الأطراف، وفي مقدمتها إيران، على الانتقال من منطق المحاور المسلحة إلى منطق الدولة والمصالح المتبادلة واحترام السيادة الوطنية.
وهنا تبدأ معركة جديدة من نوع مختلف:
ليست معركة الصواريخ فقط، بل معركة شكل النظام الإقليمي القادم.
هل سيكون:
شرق أوسط الهيمنة الأحادية؟
أم:
شرق أوسط التوازنات المتعددة؟
أم:
شرق أوسط المصالح المتشابكة التي تجعل الحرب مكلفة للجميع؟
وربما هنا تكمن المفارقة الكبرى.
فالمنطقة التي احترقت لعقود بالصراعات العقائدية قد تجد نفسها مضطرة تحت ضغط الإنهاك والخوف من الانهيار الشامل إلى اكتشاف منطق جديد للبقاء.
منطق لا يقوم على الحب بين الخصوم، بل على الإدراك العميق بأن البديل عن التعايش هو الفوضى المستدامة.
ولهذا قد لا يكون السلام القادم إن وُلد سلاماً رومانسياً أو مثالياً.
بل قد يكون:
سلام الضرورة،
سلام المصالح، سلام الردع المتبادل، والسلام الذي تفرضه كلفة الحروب أكثر مما تفرضه النوايا الحسنة.
ومع ذلك، حتى هذا النوع من السلام قد يكون كافياً لفتح نافذة أمل تاريخية أمام شعوب المنطقة.
فالأمم لا تُبنى فقط بالشعارات، بل بالاستقرار، والتعليم، والاقتصاد، والتكنولوجيا، وكرامة الإنسان.
وربما بعد كل هذه الحرائق، يكون الشرق الأوسط قد بدأ أخيراً يدرك أن أعظم انتصار ليس تدمير الخصم، بل منع انهيار الجميع.