اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. صالح سليم الحموري : الاذكياء يفرزون النفايات

د. صالح سليم الحموري : الاذكياء يفرزون النفايات
أخبارنا :  

حين نتحدث عن إدارة النفايات، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو النظافة أو حماية البيئة. لكن علم "البصائر السلوكية" والذي دخل حديثا في السياسات والخدمات الحكومية، تعلمنا أن القضية أعمق من ذلك. فالسلوك الإنساني لا يتغير دائماً بالقوانين أو العقوبات، او التوبيخ، بل يتأثر أيضاً بالرسائل الاجتماعية التي تشكل صورة الإنسان عن نفسه وعن الآخرين.


من هنا ظهرت عبارة لافتة في عدد من حملات فرز النفايات حول العالم ونحن ندرس ذلك للطلاب في مادة "استخدام البصائر السلوكية في تحسين السياسات والخدمات الحكومية" : «الأذكياء يفرزون النفايات».


قد تبدو العبارة بسيطة، لكنها تستند إلى مبدأ سلوكي مهم يعرف بـ«الهوية الاجتماعية». فالناس يميلون إلى تبني السلوكيات التي تعزز الصورة التي يرغبون في رسمها لأنفسهم. عندما يشعر الفرد أن سلوكاً معيناً يعكس الذكاء أو المسؤولية أو التحضر، يصبح أكثر استعداداً لممارسته والمحافظة عليه.


في الصين، التي واجهت تحديات كبيرة بسبب النمو السكاني والتوسع الحضري، أطلقت السلطات الصينية برامج واسعة لفرز النفايات في المدن الكبرى مثل شنغهاي وبكين. ولم تعتمد هذه البرامج على الأنظمة والعقوبات فقط، بل استخدمت أيضاً رسائل سلوكية ايجابية تؤكد أن فرز النفايات هو سلوك المواطن الواعي والمتحضر والمسؤول.


ركزت الحملات على بناء معيار اجتماعي جديد: الأغلبية تفرز النفايات، والمواطن الجيد يفرز النفايات، والمجتمع المتقدم يفرز النفايات. ومع مرور الوقت تحول السلوك من مهمة إضافية إلى ممارسة يومية لدى ملايين السكان.


وتشير التجربة الصينية إلى درس مهم: الناس لا يستجيبون فقط لما يجب عليهم فعله، بل لما يخبرهم من هم. فعندما نقول للناس «يجب أن تفرزوا النفايات» فإننا نخاطب الواجب. أما عندما نقول «الأذكياء يفرزون النفايات» فإننا نخاطب الهوية.


هذا لا يعني أن الرسائل وحدها تكفي. فنجاح الصين جاء نتيجة دمج الرسائل السلوكية مع بنية تحتية مناسبة، وحاويات واضحة، وتعليمات بسيطة، وحوافز وعقوبات عند الحاجة. لكن الرسالة السلوكية لعبت دوراً مهماً في جعل السلوك مرغوباً اجتماعياً.


الدرس الذي يمكن أن تستفيد منه المؤسسات والمدن اليوم هو أن تغيير السلوك لا يبدأ دائماً من القوانين او التوبيخ، بل من فهم "الإنسان". فبدلاً من مطالبة الناس بالقيام بالسلوك الصحيح، يمكن جعل السلوك الصحيح جزءاً من الصورة التي يرغبون في أن يكونوا عليها.


لذلك ربما تكون عبارة «الأذكياء يفرزون النفايات» أكثر من مجرد شعار بيئي. إنها تطبيق عملي للبصائر السلوكية التي تؤكد أن الناس يتأثرون بالهوية والانتماء والتوقعات الاجتماعية بقدر تأثرهم بالتعليمات والقوانين.


وفي النهاية، فإن المدينة النظيفة لا تُبنى فقط بحاويات النفايات، بل ببناء ثقافة تجعل السلوك الصحيح علامة على الوعي والمسؤولية والذكاء.




مواضيع قد تهمك