الرياضة تمنح ذوي الإعاقة في غزة مساحة للأمل والمشاركة
في محاولة لإعادة الأمل إلى الملاعب، نظمت «جمعية أطفالنا للصم» بدعم من «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» حدثاً رياضياً شمولياً جمع لاعبين من ذوي الإعاقة، في أجواء مليئة بالحماس والإصرار، مؤكداً حقهم في ممارسة الرياضة والمشاركة المجتمعية رغم كل التحديات.
روح الإرادة
وشاركت سوسن الخليلي في الحدث الرياضي وهي تحمل شغفها الكبير برياضة تنس الطاولة بعد سنوات طويلة من الانقطاع، إذ عادت إلى أرض المنافسة، ليس بصفتها رئيسة «نادي فارسات فلسطين للسيدات ذوات الإعاقة»، أو عضواً في إدارة «اللجنة البارالمبية الفلسطينية»، بل كلاعبة أرادت أن تستعيد إحساسها الحقيقي بالملاعب والرياضة التي أحبتها منذ طفولتها.
وتقول سوسن لـ«القدس العربي» إن مشاركتها في الفعالية شكلت لحظة استثنائية بالنسبة إليها، خاصة بعد أن دمرت الحرب على غزة الأندية والأدوات الرياضية، وحرمت الكثير من اللاعبين من ممارسة رياضاتهم المفضلة لفترات طويلة، مؤكدة أن هذا الحدث منحها فرصة حقيقية لاستعادة نشاطها الرياضي، والشعور مجدداً أن الرياضة حق لا يمكن التخلي عنه.
وخلال المنافسات استطاعت سوسن أن تحقق المركز الأول رغم ابتعادها عن ممارسة تنس الطاولة لمدة ثلاث سنوات، حيث بدأت المباريات وهي تشعر بالخوف والتوتر، لكنها قررت أن تواجه هذا الشعور بقوة وشجاعة، مضيفة أن اللحظة التي أمسكت فيها بمضرب تنس الطاولة والكرة أعادت إليها ثقتها بنفسها، ومنحتها إحساساً بالقوة جعل الخوف يتلاشى تدريجياً مع كل نقطة كانت تسجلها داخل الملعب.
وتوضح سوسن أن علاقتها بالرياضة بدأت منذ سنوات الدراسة، حيث كانت تحب حصص الرياضة وتحرص دائماً على المشاركة في المسابقات المدرسية، مؤكدة أن إعاقتها لم تمنعها يوماً من ممارسة ما تحب أو السعي لإثبات نفسها داخل المجتمع.
وترى أن الرياضة بالنسبة إليها ليست مجرد هواية، بل هي مصدر للصحة والحياة والراحة النفسية، والوسيلة التي ساعدت الأشخاص ذوي الإعاقة على تغيير الصورة النمطية المرتبطة بهم، وتحويل نظرة المجتمع إليهم من الضعف والعجز إلى القوة والإنجاز.
وتشير إلى أن الدعم الحقيقي يبدأ من الشخص نفسه أولاً، فالإيمان بالقدرات الشخصية والشغف بالرياضة كانا الدافع الأساسي لاستمرارها، إلى جانب الدور الكبير الذي لعبته أندية الأشخاص ذوي الإعاقة في تطوير مهاراتهم الرياضية وفتح المجال أمامهم للمشاركة والتميز.
حين تتحول الملاعب إلى مساحة للتحدي والاندماج
وفي رسالة وجهتها إلى الأشخاص ذوي الإعاقة، دعت الجميع إلى ممارسة الرياضة وعدم السماح للظروف أو الإعاقة بمنعهم من تحقيق أحلامهم، مؤكدة أن الرياضة لم تعد مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت مساحة للعلاج والمنافسة وتحقيق الإنجازات المحلية والدولية.
شغف الرياضة
وعاد اللاعب علي جبريل هو أيضاً إلى أرض الملعب بعد فترة طويلة من التوقف بسبب الحرب على غزة، وهو يحمل مشاعر مختلطة بين الحماس والتحدي، حيث وصف مشاركته في الحدث الرياضي أنها لحظة استثنائية أعادت إليه شعور الانتماء للملاعب، وأثبتت له أن الإرادة تستطيع أن تتغلب على أصعب الظروف.
ويقول علي لـ«القدس العربي» إن أكثر ما منحه السعادة خلال الحدث الرياضي الذي نفذته «جمعية أطفالنا للصم» هو شعوره بالفخر أثناء اللعب مجدداً وسط أجواء مليئة بالدعم والتشجيع، مؤكداً أن العودة إلى المنافسة بعد هذا الانقطاع الطويل منحته دافعاً جديداً للاستمرار وتحقيق المزيد من الإنجازات الرياضية.
وخلال حديثه استرجع علي أصعب اللحظات التي واجهها بعد الانقطاع، موضحاً أنه حاول استعادة لياقته البدنية وتركيزه داخل الملعب رغم التحديات النفسية والجسدية التي مر بها، كما شكل فقدانه الكرسي المتحرك الخاص برياضة كرة السلة بسبب القصف عائقاً إضافياً أمامه، لكنه أصر على المشاركة وعدم الاستسلام.
ويضيف علي أن رحلته مع الرياضة بدأت منذ سنوات بدافع حبه الكبير لكرة السلة، حيث وجد في الرياضة مساحة لإثبات نفسه وكسر الصورة النمطية المرتبطة بالإعاقة، مؤكداً أن كل مباراة خاضها كانت تمنحه شعوراً بالقوة والقدرة على التحدي.
ويصف علي الرياضة أنها مصدر للحياة والطاقة والأمل، لأنها تمنحه الثقة بالنفس والدعم النفسي، وتجعله يشعر أنه قادر على تحقيق أهدافه مهما كانت الظروف صعبة.
كما تحدث عن الأشخاص الذين وقفوا إلى جانبه طوال مسيرته الرياضية، مشيراً إلى أن عائلته وأصدقاءه لعبوا الدور الأكبر في دعمه وتشجيعه والاستمرار في الإيمان بقدراته حتى في أصعب الفترات التي مر بها.
وفي رسالة وجهها إلى الأشخاص ذوي الإعاقة، دعا علي الجميع إلى عدم الاستسلام أو السماح للعوائق أن تمنعهم من تحقيق أحلامهم، مؤكداً أن الرياضة قادرة على تغيير حياة الإنسان ومنحه الثقة والقوة، وداعياً إياهم إلى البدء بخطوات صغيرة والاستمرار حتى الوصول إلى النجاح.
روح الملاعب
ومنذ اللحظات الأولى لوصول اللاعبين إلى أرض الملعب، بدأت ملامح يوم مختلف تتشكل داخل الصالة الرياضية في غزة، حيث تحرك أعضاء فريق «تشامبيونز» بين المشاركين، وهم يجهزون أماكن الاستقبال ويرتبون تفاصيل الافتتاح بعناية، بينما علت أصوات التشجيع مع دخول اللاعبين من ذوي الإعاقة، الذين حضروا حاملين أحلامهم وشغفهم بالرياضة رغم كل الظروف والتحديات.
ويروي أحمد سكيك، المشرف العام لفريق «تشامبيونز»، تفاصيل هذا اليوم قائلاً إن فكرة الحدث انطلقت بعد تعاون وشراكة مع «مؤسسة أطفالنا للصم» ضمن مشروع مدعوم من «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، حيث عمل الفريق على إعداد تصور متكامل للفعالية، وقدم عرضاً فنياً اعتمد على أفكار إبداعية ورؤية شمولية ركزت على منح اللاعبين مساحة آمنة للتعبير عن قدراتهم الرياضية والإنسانية.
ويضيف سكيك لـ«القدس العربي» أن الفريق بدأ منذ الأيام الأولى بالتواصل مع الجهات الرياضية المختلفة، وسعى إلى توفير كل ما يحتاجه اللاعبون من تجهيزات ومعدات، حيث تعاونت «اللجنة البارالمبية الفلسطينية» بقيادة الكابتن كامل أبو الحسن في توفير الكراسي المتحركة الخاصة برياضة كرة السلة، بينما فتحت الأندية والصالات الرياضية أبوابها للمساهمة في إنجاح الأنشطة الرياضية المتنوعة.
ومع اقتراب موعد الافتتاح، اصطف اللاعبون عند مدخل الصالة، بينما وقف أعضاء الفريق لاستقبالهم وسط ممر شرفي امتلأ بالتصفيق والورود، وتقدمت أسماء اللاعبين واحداً تلو الآخر ليتم تقديمهم أمام الجمهور بطريقة أبرزت إنجازاتهم وبطولاتهم الرياضية، خاصة أن كثيراً منهم سبق أن مثلوا فلسطين في بطولات ومسابقات مختلفة.
وداخل الملعب، لم يكتف فريق «تشامبيونز» بالتنظيم فقط، بل اندمج أفراده مع اللاعبين داخل الأنشطة والمنافسات الرياضية، وراح المدربون يشجعون المشاركين ويوجهونهم ويقدمون لهم الدعم الفني والنفسي، في مشهد عكس روح الشراكة والانتماء التي سادت المكان طوال ساعات الفعالية.
لكن الطريق نحو تنفيذ الحدث لم يكن سهلاً، كما يقول سكيك، إذ واجه الفريق تحديات عديدة منذ اللحظة الأولى بسبب ضعف الإمكانيات وعدم جاهزية البنية التحتية لاستضافة أكثر من نشاط رياضي في مكان واحد، كما اضطر الفريق إلى إجراء تعديلات ميدانية داخل الصالة وتجهيز الملعب يدوياً حتى يتمكن اللاعبون من ممارسة كرة السلة باستخدام الكراسي المتحركة.
ويتابع سكيك حديثه بحزن، حين يشير إلى عدم تمكن اللاعبين من ذوي الإعاقة البصرية من المشاركة بسبب غياب الأدوات الخاصة برياضة كرة الهدف وعدم توفر بيئة مناسبة لهذه الرياضة، لكنه يؤكد أن الفريق تمسك بفكرة الاستمرار وواصل العمل بروح جماعية، حتى نجح في تجاوز العقبات وتحويل اليوم الرياضي إلى مساحة مليئة بالحماس والتحدي والأمل.
وفي ختام حديثه، يؤكد سكيك أن هذا الحدث لم يكن مجرد نشاط رياضي، بل حمل رسالة إنسانية واضحة أراد فريق «تشامبيونز» إيصالها إلى المجتمع، وهي أن الأشخاص ذوي الإعاقة قادرون على المشاركة والإنجاز وصناعة التغيير، وأنهم جزء أساسي من المجتمع ومن مسيرة الإعمار والتنمية في قطاع غزة، وأن الرياضة تستطيع أن تمنحهم فرصة حقيقية للظهور والتأثير وتحقيق أحلامهم.
وفي نهاية هذا الحدث الرياضي الشمولي، بقيت صور اللاعبين وهم يتحدون الصعوبات ويصنعون لحظات من الفرح والإنجاز رسالة واضحة تؤكد أن الأشخاص ذوي الإعاقة يمتلكون القدرة على الإبداع والتأثير متى توفرت لهم الفرصة والدعم المناسب، وبين أصوات التشجيع وحماس المنافسة، أثبتت الرياضة مرة أخرى أنها ليست مجرد لعبة، بل مساحة للحياة والأمل واستعادة الثقة بالنفس، وجسر حقيقي نحو المشاركة المجتمعية والاندماج.