أ. د. مصطفى محمد عيروط : الفوضى الرقمية… أخطر حروب العصر على وعي المجتمعات وأمن الدول
الفوضى الرقمية… أخطر حروب العصر على وعي المجتمعات وأمن الدول
في عالم مفتوح بلا حدود، أصبحت الفوضى الإعلامية والرقمية واحدة من أخطر التحديات التي تواجه الدول والمجتمعات، ليس فقط بسبب كثرة النشر أو سرعة تداول الأخبار، بل بسبب ما تحمله بعض المنصات من تحريض وافتراءات واستفزاز وتشويه للحقائق وبث للسوداوية والسلبيات وتفتيت الناس وبث الحقد والإقليمية والجهويه والإحباط بين الناس.
فاليوم، لم يعد الإعلام التقليدي وحده المؤثر، بل أصبح الهاتف الذكي المحمول في يد كل إنسان وسيلة إعلام كاملة، يستطيع من خلالها أي شخص أن ينشر ما يشاء، ويؤثر في آلاف وربما ملايين المتابعين خلال دقائق. والأخطر أن العالم الرقمي المفتوح جعل من السهل إنشاء حسابات ومنصات وهمية من أي دولة، واستخدام أرقام واتصالات من دول أخرى، بحيث يصعب أحيانًا معرفة المصدر الحقيقي أو الجهة التي تقف خلف حملات التضليل والإشاعات.
لقد تحولت بعض منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات مفتوحة للفوضى الإعلامية، حيث تختلط الحقيقة بالإشاعة، والتحليل المهني بالتحريض، والرأي بالمعلومة غير الدقيقة، مما يربك المتابع ويؤثر على وعيه واستقراره النفسي والفكري. كما أن فوضى النشر واستفزاز البعض في تصريحاتهم واحاديثهم والتحليلات غير المهنية والحديث دون مسؤولية أصبحت تؤثر بشكل مباشر على استقرار المجتمعات، خصوصًا بين فئة الشباب الذين يقضون ساعات طويلة أمام شاشات الهواتف ويتابعون كل ما يُنشر دون تدقيق أو تحقق.
والأخطر من ذلك أن بعض جهات في العالم أصبحت تمتلك جيوشًا إلكترونية منظمة وأجهزة متخصصة تعمل على نشر الفتن والتشويش والإشاعات والكذب والافتراءات، بهدف التأثير على الرأي العام، وإضعاف الثقة بالمؤسسات الوطنية، وخلق صراعات داخلية في دول مستهدفة ضمن مخططات خطيرة بعيدة المدى.
وهنا لم تعد الحروب فقط عسكرية أو اقتصادية، بل أصبحت أيضًا حروبًا على العقول والوعي والانتماء الوطني.
وفي ظل هذا الواقع، فإن المواجهة الحقيقية لا تكون فقط بالقوانين والأنظمة، رغم أهميتها، لأن السيطرة الكاملة على الفضاء الرقمي أصبحت شبه مستحيلة، بل مواجهتها تكون بالحقيقة والوعي والتوجيه والإقناع والقدوة الحسنة والمهنيه ، وبإعلام مهني صادق مؤثر قادر على كسب ثقة الناس واحترام عقولهم.ويقدم لهم الحقائق والانجازات ويعزز لهم الانتماء ويرسخ التفكير النقدي البناء والحوار المفيد البناء القائم على المعلومه والحقيقه بأسلوب بناء يحترم العقول
كما أن بناء الوعي الوطني والثقافي لدى الشباب أصبح ضرورة وطنية ومجتمعية، لأن الإنسان الواعي هو القادر على التمييز بين الحقيقة والإشاعة، وبين النقد البنّاء ومحاولات التحريض والتشويه، وبين حرية التعبير ومحاولات الإساءة والفوضى المقصودة.
إن الدول القوية ليست فقط من تمتلك الجيوش والسلاح، بل من تمتلك وعيًا مجتمعيًا يحصّن أبناءها من الشائعات وحروب العقول والفوضى الرقمية، ويجعل المواطن شريكًا في حماية وطنه واستقراره. والدفاع عنه
وفي زمن الإعلام المفتوح، تبقى الحقيقة والمسؤولية والوعي الوطني والإعلام المهني هي خط الدفاع الأول عن أمن الأوطان واستقرارها ومستقبل أجيالها.
مصطفى محمد عيروط