اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

م. سعيد المصري : بين حرية التعبير والفوضى الرقمية: كيف تحمي الدول تماسكها المجتمعي دون أن تخنق الحريات؟

م. سعيد المصري : بين حرية التعبير والفوضى الرقمية: كيف تحمي الدول تماسكها المجتمعي دون أن تخنق الحريات؟
أخبارنا :  

لم يعد الجدل الدائر في الأردن حول حرية التعبير، والتشهير، وخطاب الفساد، والتسريبات، والمنصات الرقمية، مجرد نقاش عابر يرتبط بحادثة هنا أو قضية هناك، بل أصبح انعكاسًا لتحول عميق يعيشه العالم كله في عصر الفوضى المعلوماتية والتدفق الرقمي غير المنضبط.


فالأردن، كغيره من الدول، دخل مرحلة جديدة باتت فيها وسائل التواصل الاجتماعي قادرة على:


صناعة رأي عام خلال ساعات،

وتحويل الشائعات إلى "حقائق” متداولة،

وإطلاق حملات ضغط نفسي وسياسي،

وإثارة الانقسامات المجتمعية،

بل وحتى التأثير على صورة الدولة وثقة الناس بمؤسساتها.

وفي ظل هذه البيئة، اختلطت في كثير من الأحيان الحدود الفاصلة بين:


حرية التعبير،

والنقد المشروع،

والمساءلة الحقيقية،

وبين التشهير،

والتحريض،

والدس الاجتماعي،

وتصفية الحسابات الشخصية والسياسية والاقتصادية.

وهنا تكمن الخطورة.


فحين تتحول المنصات الرقمية إلى ساحات مفتوحة للاتهامات غير الموثقة، والتسريبات الانتقائية، والتخوين المتبادل، يصبح المجتمع كله عرضة لحالة من الشك المستمر، حيث يفقد الناس القدرة على التمييز بين:


الحقيقة والدعاية،

والمعلومة والشائعة،

والنقد البنّاء والفوضى المقصودة.

والأخطر من ذلك أن هذه الفوضى لا تؤثر فقط على الأفراد، بل تمتد إلى:


ثقة الناس بالقضاء،

وهيبة مؤسسات الدولة،

والاستقرار المجتمعي،

وسمعة الاقتصاد الوطني،

وجاذبية الاستثمار،

وحتى قدرة الدولة نفسها على فرض القانون بعدالة وشفافية.

فالضجيج الإعلامي الهائل قد يخلق بيئة ضاغطة على مؤسسات العدالة، ويؤدي إلى محاكمات شعبية تسبق القضاء، أو إلى استقطاب سياسي واجتماعي يجعل أي إجراء قانوني محل تشكيك مسبق من طرف أو آخر.


وفي المقابل، فإن أي تشدد غير متوازن في مواجهة هذه الفوضى قد يخلق مخاوف تتعلق بتقييد الحريات أو التضييق على النقد المشروع، مما يدخل الدولة في معادلة شديدة الحساسية.


لكن السؤال الأهم هنا:

هل هذه الظاهرة أردنية فقط؟


الجواب بالتأكيد: لا.


بل إن الدول الغربية نفسها، التي تُقدَّم غالبًا كنموذج لحرية التعبير، تعيش منذ سنوات أزمة حقيقية تتعلق بالفوضى الرقمية والتضليل الإعلامي والاستقطاب المجتمعي.


لقد اكتشفت تلك الدول أن البيئة الرقمية الحديثة قادرة على تحويل حرية التعبير إلى أدوات:


للتلاعب المجتمعي،

ونشر الكراهية،

والتحريض،

والتدخل الخارجي،

والتأثير على الانتخابات،

وتقويض الثقة بالدولة والمؤسسات.

ولهذا بدأت الحكومات الغربية بإعادة تعريف العلاقة بين حرية التعبير والأمن المجتمعي.


في ألمانيا مثلًا، جرى تشديد القوانين المتعلقة بخطاب الكراهية والتحريض والتضليل الرقمي، مع فرض غرامات كبيرة على المنصات التي تفشل في إزالة المحتوى المخالف.


وفي فرنسا، توسعت الدولة في مراقبة التدخلات الرقمية الخارجية والحسابات الوهمية وحملات التضليل، خصوصًا خلال الانتخابات والأزمات الأمنية.


أما المملكة المتحدة، فقد اتجهت إلى تطوير تشريعات تنظم سلامة الفضاء الرقمي وتحمل شركات التكنولوجيا مسؤوليات أكبر تجاه المحتوى الضار.


وفي الولايات المتحدة، ورغم الحساسية العالية المرتبطة بحرية التعبير، تصاعد النقاش بعد أحداث اقتحام الكابيتول وحملات التضليل السياسي والذكاء الاصطناعي التوليدي، حول حدود الحرية عندما تتحول المنصات إلى أدوات تعبئة وفوضى وتحريض.


كما فرض الاتحاد الأوروبي تشريعات جديدة على شركات التكنولوجيا الكبرى مثل:


ميتا،

غوغل،

إكس،

تيك توك،

بهدف:


مكافحة الحسابات الوهمية والمنسقة،

وزيادة شفافية الخوارزميات،

والحد من التضليل،

وحماية المجتمعات من "الحروب الإدراكية” التي باتت تشكل أحد أخطر أدوات الصراع الحديثة.

لكن الغرب نفسه لم يصل بعد إلى حل نهائي.


فكثير من المجتمعات الغربية تعاني اليوم من:


استقطاب حاد،

وتراجع الثقة بالإعلام،

وانقسام اجتماعي،

وفقاعات معلوماتية مغلقة،

وصعود ما يسمى بـ "الفوضى المعرفية”.

أي أن الأزمة أصبحت تتعلق ليس فقط بالكذب أو التضليل، بل بتآكل "الحقيقة المشتركة” التي يتفق الناس عليها كأساس للحوار المجتمعي.


ومن هنا، فإن الأردن اليوم بحاجة إلى مقاربة متوازنة وعقلانية بعيدة عن الانفعال وردود الفعل المؤقتة.


فالدولة لا تستطيع ترك الفضاء الرقمي مفتوحًا بالكامل أمام:


التشهير،

والتحريض،

والدس الاجتماعي،

وتفكيك الثقة بالمؤسسات،

أو حملات الاغتيال المعنوي المنظم.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن معالجة هذه الظاهرة عبر تقييد الحريات أو تحويل النقد المشروع إلى تهمة.


لذلك فإن المطلوب ليس فقط قوانين، بل بناء منظومة وطنية متكاملة تقوم على عدة محاور متوازية.


أولًا، تعزيز استقلال القضاء وشفافية الإجراءات، بحيث يشعر المواطن أن القانون يُطبق على الجميع دون انتقائية أو استنسابية.


ثانيًا، التمييز الواضح بين:


النقد المشروع،

وكشف الفساد المبني على الأدلة،

وبين التشهير والتحريض ونشر الادعاءات غير الموثقة.

ثالثًا، تطوير تشريعات رقمية حديثة تواكب عصر الذكاء الاصطناعي والمنصات العابرة للحدود، دون الإضرار بجوهر الحريات العامة.


رابعًا، بناء شراكات مع المنصات الرقمية الكبرى لضبط الحسابات الوهمية وحملات التضليل المنظم.


خامسًا، إطلاق برامج وطنية للتربية الإعلامية والوعي الرقمي، لأن المجتمع الواعي هو خط الدفاع الأول ضد الفوضى المعلوماتية.


سادسًا، إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة عبر الشفافية والوضوح وسرعة التعامل مع القضايا العامة، لأن الفراغ المعلوماتي غالبًا ما تملؤه الشائعات.


وأخيرًا، يجب أن تدرك الدولة والمجتمع معًا أن أخطر ما تواجهه الدول الحديثة لم يعد فقط التهديد العسكري التقليدي، بل أيضًا:


تفكيك الوعي،

وضرب الثقة،

وإثارة الانقسام الداخلي،

وتحويل المجتمعات إلى ساحات صراع نفسي ومعلوماتي دائم.

فالدول لا تنهار فقط بالحروب، بل قد تنهار أيضًا عندما تفقد مجتمعاتها القدرة على التمييز بين الحقيقة والفوضى، وبين الحرية والمسؤولية، وبين النقد البنّاء والتدمير المعنوي المنظم.



مواضيع قد تهمك