د. امل محي الدين الكردي : السلط: نبض الاستقلال وأثرٌ لا يمحى
الاستقلال لم يبدأ من هنا، ولكن كان يوماً هنا.
في هذه البيوت المشرعة للأفق، وفوق قمم جبالها التي شهدت مخاضات التأسيس، كان الاستقلال يوماً هنا؛ يعبر الشوارع الضيقة، ويستمع إلى نبض الوجهاء والمثقفين، ويتنفس هواء الإرادة الوطنية التي لم تساوم يوماً على هوية هذا البلد. لم يكن الاستقلال مجرد وثيقة تُوقع في لحظة زمنية معزولة، بل كان يوماً هنا، متجسداً في تفاصيل هذه المدينة العريقة؛ في حجرها الأصفر الذي يختزل حكاية الاستقرار، وفي وعي رجالاتها الذين صاغوا ملامح الفكر القيادي والتشريعي قبل أن تولد الإمارة، وفي مدرستها التاريخية التي كانت منبراً يتردد فيه صدى الحرية والسيادة. هنا، في هذا الفضاء الحاضن للتاريخ، التقت الأفكار، وامتزجت الإرادة الشعبية بالإرادة السياسية، لتصنع من اليومي والعادي محطة استثنائية في عمر الوطن. فالأوطان تولد من مجموع تضحيات أبنائها في كل شبر، ولكن الاستقلال كان يوماً هنا في هذه المدينة، تاركاً خلفه أثراً لا يمحى، وبصمة تتوارثها الأجيال كجزء لا يتجزأ من سردية وجودنا وعزنا.
ومن هذا العمق بالذات، تتجلى سردية السلط الاستثنائية لتروي كيف يمتد الاستقلال كجزء طبيعي من تاريخ حافل بالتنظيم المدني والوعي الثقافي والمبادرة الوطنية، حيث لم تكن هذه التلال مجرد جغرافيا ساكنة، بل مركزاً إدارياً وسياسياً متقدماً قبل نشوء الإمارة وخلال مفاصل تأسيسها، وطاب للاستقلال أن يحلّ يوماً في أروقتها التي شهدت ولادة بلدية السلط عام 1881 كواحدة من أقدم المجالس البلدية في المنطقة، لتعكس مبكراً وعياً أصيلاً بالتنظيم الإداري والحكم المحلي والإرادة الشعبية التي مهدت لنهج السيادة، وتستمر الحكاية صعوداً حين غدت المدينة محطة رئيسية وشاهدة على اللقاءات والمشاورات الأولى بين الأمير عبد الله الأول ورجالات الأردن، لينبض الاستقلال في الفضاء الذي صاغ ملامح الدولة الحديثة وجدّد التحضير لمرحلة السيادة الكاملة.
وفي هذا المجرى التاريخي المتدفق، لا يمكن فصل استقلال الأردن عن الوعي والفكر الذي قادته رجالات الحركة الوطنية، وهي الروح التي تجسدت حية في مدرسة السلط الثانوية للبنين منذ تأسيسها عام 1923، لتكون المنارة ومصنع القيادات الأبرز، فمن صفوفها تخرج الرعيل الأول من رجالات الدولة والوزراء والمعلمين والمفكرين الذين حملوا على عاتقهم بناء مؤسسات الدولة السياسية والقانونية والتعليمية بعد الاستقلال، حيث كان الفكر الحر يوماً هناك يصنع فجر الحرية، محولاً تلك المدرسة العريقة إلى برلمان مصغر ومنبر حُر للفكر القومي والوطني الذي وعى الهوية الأردنية الجامعة.
هذا الوعي لم ينشأ من فراغ، بل نبت في بيئة اجتماعية ومعمارية تعكس أقصى درجات الاستقرار والتناغم، لتتشابك تفاصيل الحياة اليومية مع العمل الوطني، وتقدم المدينة نموذجاً فريداً في التكافل والعيش المشترك والتآخي والوحدة الوطنية بين شتى منابتها، وهو الأساس المتين الذي نمت فيه روح الاستقلال، تماماً كما تلاحمت حجارتها الصفراء وأقواسها العمرانية لتعكس طابع الأصالة والعمق الحضاري الذي جعلها مسجلة على قائمة التراث العالمي لليونسكو كمدينة للتسامح والضيافة الحضرية، وهي القيم التي تتقاطع مباشرة مع روح الدولة الأردنية ومبادئ استقلالها الذي أقام يوماً في هذه البيوت المشرعة للأفق.
وها أنا اليوم، أطوي هذه السطور وأنا أمشي في شوارع السلط، في نبض الميدان، أتحسس الحجر الأصفر وأتنفس عبق التاريخ لأعيش لحظات الاستقلال في حقيقتها التوثيقية وسرديتها الحية. أسير بتناغم مع قصة هذه المدينة، كأنني لا أقطع مكاناً بل أعبر زماناً ممتداً؛ أرى الكنيسة والدير اللاتيني يرويان حكاية التآخي، وأمرّ بمقام الخضر عليه السلام حيث تلتقي القلوب والصلوات، ثم يقتادني الشغف إلى شارع الميدان وشارع الحمام، صعوداً وهبوطاً نحو وادي الأكراد الحاضر بعرائقه وحكاياته الممتدة في عمق المكان، حيث كانت الخطوات يوماً تصنع وعياً، وحيث كانت الدكاكين القديمة والزوايا والأودية شهوداً على حوارات الاستقلال الأولى. في هذه الخطوات، وفي عيد استقلال الأردن، لست مجرد عابرة طريق، بل كنت وكنت يوماً شاهدة على لحظات سردية هذا الوطن؛ شاهدة تبحث في أرشيفه الحي، وتوثق أثر الأقدمين، لتظل سردية السلط في الاستقلال قصة مدينة لم تنتظر صياغة التاريخ بل شاركت في كتابته، وليبقى الاستقلال، وإن لم يبدأ من هنا، كائناً قد عاش يوماً في هذه التفاصيل، تاركاً أثراً لا يمحى في كل ذرة تراب.