د. عبد الله محمد القضاة : جامعة المغطس الأرثوذكسية الدولية…
في خضم التحديات الراهنة التي تتسم بتصاعد الصراعات وخطابات الكراهية، وتآكل القيم الروحية أمام طغيان المصالح السياسية، يأتي افتتاح جلالة الملك عبدالله الثاني لجامعة المغطس الأرثوذكسية الدولية ليجسد رسالة عميقة تتجاوز الأبعاد التعليمية والجغرافية. إنها رسالة تؤكد على مكانة الإنسان، ودور الشرق الحضاري، ومحورية الدين في إرساء دعائم السلام بدلاً من تأجيج النزاعات.
لا يمثل هذا الحدث مجرد إضافة صرح أكاديمي جديد، بل هو إعلان أردني راسخ بأن الأرض التي باركها عماد السيد المسيح عليه السلام، ما زالت منبعاً للمعرفة والحوار والاعتدال. يؤكد الأردن بذلك أنه ليس فقط حارساً للمقدسات، بل هو أيضاً صائن للفكرة الحضارية الأصيلة التي قامت عليها الرسالات السماوية: كرامة الإنسان، احترام التنوع، وصون التعددية الدينية والثقافية.
من منظور إسلامي، يحمل هذا الافتتاح دلالات بالغة الأهمية. فالإسلام، الذي كرم السيد المسيح وأمه مريم العذراء في آيات القرآن الكريم، لا ينظر إلى حماية الإرث المسيحي على أنها مجرد لفتة سياسية أو دبلوماسية، بل هي جزء لا يتجزأ من منظومة إيمانية عميقة تؤمن بوحدة الجذر الأخلاقي للرسالات السماوية. وبالتالي، فإن تأسيس جامعة دولية في المغطس يقدم نموذجاً أردنياً رائداً في فهم العلاقة بين الإسلام والمسيحية؛ علاقة مبنية على الاحترام المتبادل والتكامل الحضاري، لا على الصدام أو الإقصاء.
إن الرسالة الجوهرية التي يوجهها الأردن اليوم إلى العالم هي أن التعدد الديني ليس مصدر تهديد للاستقرار، بل هو ركيزة أساسية للقوة الناعمة والهوية الحضارية. ففي منطقة مزقتها الصراعات الطائفية والانقسامات الحادة، يختار الأردن أن يقدم نفسه كدولة تعتبر التنوع قيمة وطنية وإنسانية عليا، ووطناً تتعايش فيه المآذن والكنائس في وئام، بعيداً عن أي مخاوف أو توترات متبادلة.
يزداد هذا الحدث عمقاً ورمزية كونه يتسق تماماً مع الدور التاريخي للهاشميين في رعاية وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية، ومع الرؤية الأردنية الثابتة التي لطالما قدمت الاعتدال كنهج دولة لا مجرد شعار سياسي. وعندما يوجه جلالة الملك الحكومة لدعم مبادرة "المغطس 2030” المرتبطة بالذكرى الألفية الثانية لمعمودية السيد المسيح، فإن ذلك يتجاوز مجرد الترويج للسياحة الدينية، ليؤسس الأردن كمركز عالمي للحوار الروحي والثقافي والإنساني.
إن الأردن، من خلال هذا المشروع، لا يبني مجرد جامعة، بل يرسم ملامح رواية جديدة للمنطقة؛ رواية تؤكد أن الشرق الأوسط ليس مجرد ساحة للحروب والصراعات، بل هو أيضاً مهد للرسالات السماوية، وحاضنة للقيم الإنسانية الكبرى، ومكان قادر على استعادة دوره الروحي الرائد في عالم يزداد قلقاً وفراغاً وانقساماً.
يحمل هذا المشروع أبعاداً استراتيجية تتجاوز البعد الرمزي؛ فهو يعزز مكانة الأردن على خارطة الحج المسيحي العالمي، ويربط ببراعة بين الإرث الديني والتنمية الثقافية والاقتصادية. كما يفتح آفاقاً واسعة أمام صناعة أكاديمية وروحية وسياحية متجددة، تجعل من المغطس مركزاً عالمياً للتعليم، والبحث، والحوار، والتواصل الحضاري بين الشعوب.
في زمن تتسابق فيه بعض الدول لبناء نفوذها بالقوة الخشنة، يختار الأردن مساراً مغايراً، فيبني حضوره وتأثيره عبر القوة الأخلاقية والروحية والثقافية. هذه معادلة بالغة الحكمة والذكاء؛ فالدول لا تُقاس عظمتها بما تملكه من جيوش واقتصادات فحسب، بل بما تحمله من رسالة سامية وقدرة على إلهام العالم وإحداث فرق إيجابي فيه.
إن افتتاح جامعة المغطس الأرثوذكسية الدولية هو في جوهره إعلان أردني مدوٍ بأن الإيمان يمكن أن يكون جسراً للتواصل والتفاهم لا جداراً للعزلة والفرقة، وأن المقدسات قادرة على التحول إلى منصات للمعرفة والحوار البناء، وأن الشرق ما زال قادراً على تقديم نموذج إنساني راقٍ في زمن الانقسامات الكبرى.
هكذا يتحدث الأردن إلى العالم… لا بالصخب والضجيج، بل بالرمزية العميقة والفعل المؤثر، ولا بالشعارات الجوفاء، بل ببناء المؤسسات الراسخة، ولا بلغة الصراع والنزاع، بل بلغة الإنسان والقيم الإنسانية المشتركة.