د. ذيب القرالة : موسم الحج الى بكين
لم تعد الصين مجرد قوة اقتصادية صاعدة تبحث عن موطئ قدم أكبر في النظام الدولي، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مركز توازن عالمي تتقاطع عنده حسابات الخصوم قبل الحلفاء.
ويعكس استقبال القيادة الصينية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في توقيت متقارب خلال الايام الماضية، حقيقة لا يمكن تجاهلها، مفادها ان القوى الكبرى باتت تدرك أن شكل النظام الدولي المقبل لن يُرسم من دون بكين، ولا يمكن إدارة الصراعات العالمية أو احتواؤها بعيداً عنها.
القوة الصينية لا تقوم على عامل واحد، بل على مزيج نادر من عناصر النفوذ، فهي ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وتمتلك قاعدة صناعية هائلة وسوقاً داخلية ضخمة، ولديها تفوق متسارع في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاتصالات والطاقة المتجددة، والتصنيع العسكري، ويمنحها مشروع "الحزام والطريق” حضوراً اقتصادياً وجيوسياسياً ممتداً من آسيا إلى إفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية.
وإلى جانب ذلك، فقد نجحت الصين في بناء شبكة علاقات مرنة مع قوى متناقضة، فهي شريك تجاري لواشنطن، وحليف استراتيجي لموسكو، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقات متينة مع طهران ودول الخليج وأوروبا.
لهذه الاسباب، تحاول القوى الكبرى التنسيق مع بكين أو على الأقل منع خصومها من احتكار العلاقة معها، فواشنطن تدرك أن أي تقارب صيني – روسي واسع سيُضعف قدرة الغرب على فرض العزلة على موسكو، فيما ترى روسيا أن الصين تمثل شرياناً اقتصادياً واستراتيجياً في مواجهة الضغوط الغربية، أما أوروبا فتسعى للوصول الى شراكة متوازنة ومنفعة متبادلة مع بكين، لكنها تنظر بقلق إلى احتمال انفراد واشنطن أو موسكو بالتأثير على القرار الصيني، لأن ذلك سيُضعف موقعها في التوازنات الدولية المقبلة.
ومع ذلك، فإن الصين لا تبدو متعجلة لمنافسة او وراثة الولايات المتحدة كقوة تقود العالم سياسياً وعسكرياً، وهي تدرك أن الانتقال المباشر إلى موقع "القطب المهيمن” يحمل تكاليف ضخمة، سواء عبر سباق التسلح أو الانخراط في صراعات دولية معقدة تستنزف الاقتصاد و الاستقرار .
لذلك تفضّل بكين حتى الآن نموذج "القوة الهادئة” القائم على النفوذ الاقتصادي، والتوسع التكنولوجي، والحضور السياسي المحسوب، من دون الدخول في مواجهة عالمية مفتوحة مع واشنطن.
لكن هذا الحذر لا يعني أن التنافس الأمريكي – الصيني سيبقى اقتصادياً فقط، فالمؤشرات الحالية توحي بأن العالم يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ سياسي وأمني أيضاً، خاصة في مناطق مثل بحر الصين الجنوبي، وتايوان، وإفريقيا، والشرق الأوسط، والصراع المقبل لن يكون شبيهاً بالحرب الباردة التقليدية، بل صراعاً على التحكم بسلاسل التوريد والتكنولوجيا والممرات البحرية والأسواق الحيوية.
أما العلاقة الصينية – الإيرانية، فقد كانت ولا زالت من أكثر الملفات حساسية، فالصين تنظر إلى إيران بوصفها مصدراً مهماً للطاقة وموقعاً استراتيجياً ضمن مشروع "الحزام والطريق” لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في التضحية بعلاقاتها الاقتصادية العملاقة مع الولايات المتحدة أو دول الخليج من أجل طهران، لهذا فان بكين ستحافظ على سياسة "التوازن الحذر” لا التحالف المُكلف.
وفي حال تصاعدت المواجهة الأمريكية – الإسرائيلية مع إيران مستقبلاً، واتخذت أنماطاً اخرى، فإن الموقف الصيني سيكون حاسماً، فإذا اختارت بكين الحياد الكامل أو خفض شراء النفط الإيراني ضمن تفاهمات أوسع مع واشنطن، فإن ذلك سيضعف قدرة طهران على الصمود اقتصادياً وسيزيد الضغوط الداخلية عليها.
لكن الصين على الارجح لن تقدم على اتخاذ خطوة حادة ضد إيران، لأنها تدرك أن سقوط التوازن في الخليج قد يهدد مصالحها الطاقوية والاستثمارية، لذلك قد تفضّل ممارسة ضغوط هادئة على طهران بدل الانخراط غير المباشر في معسكر معاد لها.
في المقابل، فان أمام العرب فرصة تاريخية، فالعالم يتجه نحو نظام متعدد الأقطاب، وهذا يمنح الدول العربية هامشاً أوسع للمناورة بدل الارتهان لمحور واحد.
فالصين تحتاج إلى الطاقة والأسواق والممرات البحرية العربية، والعرب يحتاجون إلى التكنولوجيا والاستثمارات والشراكات الاقتصادية الصينية، لكن الاستفادة من هذه اللحظة تتطلب رؤية عربية موحدة نسبياً، قادرة على تحويل الموقع الجغرافي والثروات إلى أوراق قوة سياسية، لا مجرد ساحات تنافس بين القوى الكبرى.
الحقيقة التي يجب عدم ( التعامي ) عنها هي ان الصين لم تعد مجرد لاعب اقتصادي عملاق، بل أصبحت "بيضة القبان” في توازنات العالم، فالجميع يريد التنسيق معها، والجميع يخشى اقتراب خصومه منها، وربما تكون هذه هي العلامة الأوضح على أن النظام الدولي القديم يتغير بالفعل، حتى لو لم يكتمل شكل العالم الجديد بعد.
theeb100@yahoo.com