فارس الحباشنة : كيف تصبح نائبا؟
في عام 1992، عرض لأول مرة مسلسل «الدغري» على شاشة التلفزيون السوري، والمسلسل مقتبس عن قصة الكاتب الساخر عزيز نيسين، ولعب دور البطولة دريد لحام، وأخرجه هيثم حقي.
ويتحدث المسلسل عن «الريف السوري «، والعلاقة مع السلطة المركزية في دمشق، وبطل المسلسل شخصية: انتهازية محتال ومستغل لسذاجة الريفيين والقرويين لكسب المال والجاه، والسلطة.
كما تناول المسلسل تجربة الدغري في الانتخابات، وكيف أصبح نائبا في البرلمان؟ وكيف كان يدير الصفقات والواسطات والسمسرة، وعلاقات الكوميشين.
وأذا أراد أي مواطن عربي أن يفهم الديمقراطية والانتخابات في بلاده، فما عليه الا أن يتابع ويشاهد مسلسل الدغري، وما زال صالحا للمشاهدة. وبدءاً من انتخابات جمعية تعاونية ومجلس بلدي، وحتى النيابية.
لقب» الدغري» وحده كاف لإخفاء واظهار مدى انتهازية واستغلالية وحرباوية شخصية بطل المسلسل، وكيف يقتنص الفرص ويستغل سذاجة وبساطة القرويين.
هي أشبه بصور لكوميدياء سوداء، تتكرر في انتخابات البلاد العربية من «الماء الى الماء» لأسباب مرتبطة بالتخلف والامية والجهل، وثقافة الفساد.
الدراما السورية كيف كانت ناقدة وجسورة وجريئة على طرح موضوع فساد الانتخابات. ووظف الفن والدراما في إثارة ابداعية في النص والحكاية والاخراج وفي تعرية الانتخابات من القرى والريف الى المدن، والعواصم، خصوصا أننا نعرف حالات انتخابية كثيرة توصف وتنعت بالتزكية والتعيين غير المباشر أكثر منها انتخابات وتعبير عن ارادة ناخبين وصناديق اقتراع، وحرية اقتراع وتمثيل شعبي، وغير ذلك.
مسلسل يختصر الدراما الديمقراطية وشجونها المزمنة في العالم العربي. بل أنها سيرة ذاتية لديمقراطية مثخنة بالجراح والتشوهات العميقة.
كل نائب وناخب في بلادنا إن كان صادقا، فإنه قادر على سرد حكايات روائية وقصصية شيقة عن الانتخابات.
سمعت قبل أيام حوارا اعلاميا طريفا مع نائب أردني سابق. ويبدو كلامه اشبه بموقف سيريالي على مسرح، وقال ما لا يقال في الانتخابات وصناديق الاقتراع ومجلس النواب.
واسمحوا لي أن أسرد ما أعرف بدءا من انتخابات 93، وهي ثاني دورة انتخابية بعد عودة الحياة البرلمانية في الاردن، وبعدما هبت رياح الديمقراطية من الجنوب عام 89.
وفي عام 93 كنت طالبا في المدرسة. وكان «ختيارية القرية» يجلسون في مقر انتخابي لاحد أقاربي ترشح للانتخابات وفاز، بعد صلاة العشاء، والطقس بارد ليلا وفي بداية حلول الشتاء، ويسألون أين الديمقراطية؟ ويقصدون بها «الوربات والكنافة»، وينادون: نزلوها ساخنة، نأكلها قبل الديمقراطية تبرد.
موسم الانتخابات في بلادنا كان وما زال يعج بقصص لا تنتهي، وتصلح لمسلسلات، ومسرحيات سريالية.
الرئيس الأمريكي الأسبق المفكر أبراهام لينكولن، قال، ولا أظن أن مقولته تشمل الديمقراطيات والانتخابات العربية: «ورقة الاقتراع أقوى من الرصاصة؛ فالرصاصة قد تقتل العدو، أما ورقة الاقتراع فتقتل مستقبله السياسي».