د. يوسف منصور : الكازينوهات، رهان خاسر اقتصادياً وخطير اجتماعياً
هناك رأي داخل بعض الأوساط الاقتصادية والسياحية يقول إن الأردن يعتمد على السياحة الثقافية، والدينية، والطبيعية، ولكنه يفتقر إلى الترفيه الليلي، والسياحة عالية الإنفاق، والمنتجعات المتكاملة. ومن هنا يظهر طرح فكرة إنشاء "الكازينو" كوسيلة لجذب فئة معينة من السياح، خصوصاً في العقبة أو البحر الميت.
المشكلة الحقيقية ليست غياب الكازينوهات، بل في ضعف الترويج، وارتفاع الكلفة، ومحدودية الرحلات الجوية، وضعف الاستثمار في التجربة السياحية المتكاملة. أي أن الأزمة في إدارة المنتج السياحي، لا في غياب القمار.
في كل مرة يُعاد فيها طرح فكرة السماح بالكازينوهات في الأردن، يتم تقديمها كحل اقتصادي سريع: سياحة أكثر، إيرادات أعلى، وفرص عمل جديدة. لكن هذه الرواية، رغم جاذبيتها فانها ساذجة بجميع الأحوال، فهي تتجاهل حقيقة أساسية وهي أن الكازينوهات ليست أداة تنموية، بل رهان قصير الأجل يحمل كلفة طويلة الأجل.
أول إشكال في الكازينوهات أنها لا تبني اقتصاداً حقيقياً، فهي لا تنتج سلعة، ولا تطور صناعة، ولا تخلق قيمة مضافة مستدامة، بل تقوم أساساً على إعادة توزيع المال، وغالباً من الخاسرين إلى الرابحين. وهذا يعني أن ما يبدو لأول وهلة نمواً هو في الواقع تحريك للأموال داخل الاقتصاد، وليس خلقاً لثروة جديدة.
رغم ذلك، فإن المشكلة الأكبر ليست اقتصادية، بل اجتماعية، وغالباً ما تكون غير مرئية في الأرقام الرسمية لتدرج ضمن الاقتصاد الأسود. تشير التقديرات العالمية إلى أن ما بين1% إلى 3% من البالغين في العالم يعانون من إدمان القمار. كما تصل نسبة المعرضين لمخاطر الادمان إلى ما بين 5% إلى 8%. أي أن كل مقامر مدمن يحيط به عدد أكبر من الأفراد المعرّضين للانزلاق إلى المشكلة ومكالبها.
تُقدَّر الكلفة الاجتماعية لإدمان القمار في الولايات المتحدة، ب6 إلى 7 مليارات دولار سنوياً، تشمل خسائر الإنتاجية، الرعاية الصحية، والجرائم المرتبطة بالادمان. أما في أستراليا، فتصل الخسائر إلى نحو25 مليار دولار أسترالي سنوياً، وهي من أعلى المعدلات عالمياً.
لا تعكس هذه الأرقام خسائر مالية فقط، بل آثاراً عميقة سالبة: ارتفاع معدلات الاكتئاب، زيادة احتمالات الانتحار، ديون مزمنة وإفلاس شخصي، وتفكك أسري وضغوط اجتماعية. فكل دينار يُربح في الكازينو قد يقابله دينار مفقود من استقرار أسرة.
الجانب الأخطر للسماح بإقامة الكازينوهات أنها تُعد من أكثر القطاعات عرضة لـغسل الأموال، التهرب الضريبي، وتدفق الأموال غير المشروعة، ودخول الجريمة المنظمة كالمافيا وغيرها. وهذا ليس افتراضاً، بل واقع تاريخي.
فتجربة بدايات لاس فيغاس تُظهر كيف دخلت منظمة عصابات المافيا إلى قطاع الكازينوهات حين قام رجل العصابات باغسي سيغل في عام 1945، أطلق سيجل مشروعه بتحويل محطة بنزين على طريق بين كاليفورنيا ويوتا الى "فندق وكازينو فلامنجو" بهدف تحويل لاس فيغاس إلى منتجع صحراوي فاخر.
لنتعرف معاً على تاريخ السيد باغسي سيغل: وُلد سيغل لأبوين يهوديين مهاجرين من النمسا والمجر، ونشأ في بروكلين. في سن المراهقة، ابتزّ بائعي العربات المتجولة، ثم أسس لاحقًا عصابة "باغزي ومايير" مع مايير لانسكي (اصبح أيضاً أحد رؤساء المافيا اليهودية في أمريكا لاحقاً)، التي تخصصت في تهريب الخمور والمقامرة والقتل المأجور. اكتسب سيغل سمعةً سيئةً بسبب ساديته وقسوته، وشارك في تأسيس "ميردر إنك" (شركة القتل)، وهي الذراع التنفيذية لاغتيالات تجمع عصابات المافيا. كما قام هو ومايير بجمع 7 مليون دولار من أثرياء اليهود في أمريكا لدعم إسرائيل.
بدأ مشروع فندق وكازينو فلامينجو بميزانية قدرها 1.5 مليون دولار، ثم تضخمت تكلفته إلى 6 ملايين دولار، ممولة في معظمها من أموال العصابات. أثارت تجاوزات التكاليف وادعاءات الاختلاس غضب شركائه في العصابة. في 20 حزيران 1947، اغتالت المافيا سيغل.
يُقال إن الأردن يحتاج الكازينوهات لمنافسة المنتج السياحي لدول منافسة مثل مصر ولبنان. لكن هذا الطرح يتجاهل واقعاً بسيطاً: الأردن لا يستطيع، ولا يجب، أن ينافس في هذا المجال. فالسياحة الأردنية قائمة على التراث، والطبيعة، والثقافة. إدخال الكازينوهات لا يعزز هذه الميزة، بل قد يضعفها ويشوّه هوية المنتج السياحي. والأخطر من ذلك أن التركيز على الكازينوهات قد يصرف الانتباه عن ما يحتاجه الاقتصاد فعلاً: زيادة المشاركة في القوى العاملة، تطوير الصناعات التصديرية، تحسين اللوجستيات، وجذب استثمار إنتاجي. فهذه هي مصادر النمو الحقيقي، وليس القمار.
تشير التقديرات المبنية على بيانات الأردن إلى أن حجم سوق القمار المحتمل قد يصل إلى نحو 360 مليون دينار سنوياً (حتى لو لم يسمح بدخول الكازينوهات الا لحملة جوازات سفر غير اردنية فالكثير من الأردنيين يحملون اكثر من جنسية)، لكن الكلفة الاجتماعية المرتبطة به، بما في ذلك الإدمان، والخسائر الناجمة عن تراجع الإنتاجية، والضغوط الأسرية قد تتراوح بين 300 و600 مليون دينار سنوياً. وفي المقابل، لا يُتوقع أن تتجاوز إيرادات الدولة 150 مليون دينار في أفضل الأحوال، ما يعني أن الأثر الصافي سيكون سلبياً على الاقتصاد والمجتمع.
الكازينوهات
ليست مجرد مشروع اقتصادي يمكن تجربته، بل قرار له تبعات عميقة. فالقمار لا
ينقل الثروة فقط، بل ينقل المخاطر من فرد إلى مجتمع، وغالباً ما يكون
الثمن أعلى من العائد. كما أن الأرقام العالمية تُظهر أن العائد الظاهر قد
يقابله ثمن اجتماعي واقتصادي مرتفع لا يظهر في الحسابات الرسمية. القمار في
اقتصاد محدود الدخل لا يخلق ثروة، بل يعيد توزيع الخسارة ولا يخلق دورة
نمو، بل يخلق دورة استنزاف لسنا بحاجة لها. ــ الراي