المحامي محمد مروان التل : "الإدارة المحلية"… أهم عناوين التحديث
في كل مرة يفتح فيها ملف الإدارة المحلية في الأردن، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: هل المشكلة كانت فعلًا في القوانين، أم في طريقة إدارة الدولة لعلاقتها مع المحافظات والبلديات والمجالس المحلية؟ فالتجارب السابقة، وعلى رأسها تجربة اللامركزية، لم تفشل بسبب غياب النوايا أو ضعف الشعارات، بل بسبب تضارب الصلاحيات، وغياب المرجعية الواضحة، واتساع الفجوة بين القرار الإداري وحاجات الناس اليومية، حتى تحولت بعض المجالس إلى هياكل انتخابية بلا أثر تنموي حقيقي، فيما بقي المواطن ينتظر خدمات أساسية يرى أنها حق طبيعي لا منّة فيه.
اليوم، ومع طرح مسودة قانون الإدارة المحلية، يبدو أن الدولة أمام فرصة حقيقية لإعادة تعريف مفهوم الحكم المحلي بعيدًا عن التعقيد الإداري الذي رافق المراحل السابقة. فالمطلوب لم يعد مجرد توسيع المشاركة الشكلية أو زيادة عدد المجالس المنتخبة، وإنما بناء منظومة قادرة على اتخاذ القرار، وتحديد المسؤوليات، وربط المحاسبة بالإنجاز، لأن أخطر ما واجهته تجربة الإدارة المحلية خلال السنوات الماضية كان ضياع المسؤولية بين الجهات المختلفة، حتى بات المواطن لا يعرف من يحاسب عند تعثر مشروع أو تراجع خدمة أو فشل خطة تنموية.
الحديث عن الإدارة المحلية لا يجب أن يبقى محصورًا في النظافة والتنظيم والطرق والإنارة فقط، رغم أهمية هذه الملفات، بل يجب أن يتحول إلى نقاش وطني أوسع حول التنمية والعدالة بين المحافظات، وحول قدرة البلديات ومجالس المحافظات على أن تكون شريكًا حقيقيًا في صناعة الاقتصاد المحلي، وجذب الاستثمار، وخلق فرص العمل، وتحسين البيئة الحضرية، لأن المحافظات الأردنية لا تعاني فقط من نقص الخدمات، بل من ضعف الأدوات التي تمكنها من بناء مشاريع تنموية مستدامة تتناسب مع خصوصية كل منطقة واحتياجاتها.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن المركزية المفرطة أرهقت الدولة كما أرهقت المحافظات، وأن تراكم الملفات في العاصمة لم يعد قادرًا على إنتاج حلول سريعة وعادلة لكافة المناطق، لكن في المقابل فإن اللامركزية غير المنظمة أو غير الواضحة قد تتحول أيضًا إلى عبء جديد يستهلك الموارد دون نتائج ملموسة. ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام مشروع قانون الإدارة المحلية لا يكمن فقط في إعادة توزيع الصلاحيات، بل في بناء توازن دقيق بين القرار المحلي والرقابة المؤسسية، وبين التمثيل الشعبي والكفاءة الإدارية، بحيث لا تتحول المجالس المنتخبة إلى ساحات للخلافات الشخصية أو الحسابات الضيقة على حساب التنمية والخدمة العامة.
كما أن نجاح أي قانون جديد سيبقى مرتبطًا بقدرة الدولة على معالجة الملفات المزمنة التي تعاني منها البلديات، وفي مقدمتها المديونية، والترهل الإداري، وضعف الإيرادات، والتفاوت الكبير بين البلديات من حيث الإمكانات والخدمات، إذ لا يمكن الحديث عن إدارة محلية حديثة دون تمكين مالي وإداري حقيقي، ودون بناء جهاز تنفيذي مهني قادر على تنفيذ الخطط بعيدًا عن المزاجية أو التدخلات أو غياب الكفاءات.
وإذا كانت الدولة تتجه اليوم نحو تحديث سياسي وإداري واقتصادي شامل، فإن الإدارة المحلية يجب أن تكون أحد أهم عناوين هذا التحديث، لأنها تمثل نقطة التماس المباشرة بين المواطن والدولة، ولأن نجاحها سينعكس مباشرة على ثقة الناس بمؤسسات الحكم المحلي. فالمواطن لا يقيس نجاح القوانين بعدد النصوص أو الاجتماعات أو التصريحات، بل بما يراه على أرض الواقع من خدمات وفرص وتنظيم وجودة حياة.
إن مشروع قانون الإدارة المحلية قد يكون بالفعل فرصة أخيرة لإعادة بناء الثقة بمنظومة الحكم المحلي. فالأردن اليوم بحاجة إلى إدارة محلية تملك القرار، وتتحمل المسؤولية، وتخضع للمساءلة، وتعمل بعقلية التنمية لا بعقلية إدارة الأزمات، لأن قوة الدولة الحديثة لا تقاس فقط بما تملكه من مؤسسات مركزية، بل بقدرتها على بناء محافظات قوية، وبلديات فاعلة، ومجالس قادرة على تحويل احتياجات الناس إلى خطط وإنجازات حقيقية.