م. عبد الفتاح الدرادكة : الاستعراض على حساب الثقافة
حري بنا ان نسأل، اين ثقافتنا وادبنا البوم من الثقافة والادب العالمي؟ ولماذا ظهر الأدب العالمي الحديث وتفوق علينا؟ لماذا لا يوجد لدينا ارثا عالميا روائيا كأرث فيكتور هوغو، أو إرنست همنغواي، أو تولستوي، وغيرهم من كبار الأدباء الذين صنعت أعمالهم مجد أممهم الثقافي؟ ومتى ستعود الثقافة عنواناً لحضارتنا كما كانت في عصور ازدهارنا، وكما هي اليوم لدى الأمم المتقدمة؟ ومتى تصبح رواية «أولاد حارتنا» للأديب العربي. العربي نجيب محفوظ، التي نالت جائزة نوبل، مجرد بداية لا استثناءً يتيماً؟ ومتى ننتقل من ثقافة المظاهر إلى ثقافة المعرفة؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، لا بد من العودة إلى أصل المشكلة. فبينما عاشت أمم كثيرة عصوراً تنويرية صنعت نهضتها الفكرية والثقافية والسياسية على يد فلاسفة ومفكرين امثال فولتير ومونتسكيو وجان جاك روسو ، عشنا نحن، في مراحل طويلة، عصوراً من التراجع والانقسام، ابتعدنا خلالها عن قيمنا الأصيلة وعقيدتنا وعروبتنا، وسمحنا للآخرين أن يتولوا شؤوننا، بدءاً من نهايات العصور الوسطى ، وصولاً إلى حقب الاستعمار والإمبريالية التي مزّقت أوطاننا إلى دويلات ضعيفة، تتداعى عليها الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها.
في ظل هذا الواقع، غاب التواصل الثقافي الحقيقي، وضعف تبادل المعرفة، وأصبحت همومنا الإقليمية والسياسية تطغى على كل شيء، حتى لم تعد الثقافة ضمن أولوياتنا. وتحول اهتمام كثيرين من الهمّ الوطني الجامع إلى الهمّ الفردي الضيق؛ كيف نكسب سريعاً؟ وكيف نحقق مجداً شخصياً آنياً؟ بدلاً من أن تُصهر الجهود في مشروع نهضوي يعيد للأمة ألقها، كما كان في العصور. الاموية والعباسية والاندلسية ، حين كانت حضارتنا منارة للعالم.
لكننا اليوم، وللأسف، فقدنا البوصلة، وابتعدنا عن الثقافة الحقيقية، واقتربنا أكثر من ثقافة الاستعراض والتصنع، سعياً وراء أمجاد شخصية زائفة. أصبح الاستعراض جزءاً من تفاصيل حياتنا اليومية؛ نستعرض في الولائم، وفي المناسبات، وفي الظهور الاجتماعي، وفي الجاهات، بل وحتى في إظهار الولاء، وكل ذلك غالباً على حساب الفكر والثقافة والإنتاج الحقيقي.
لقد أصبحت ثقافتنا، في كثير من الأحيان، أقرب إلى ثقافة برامج مثل برامج مسابقات الغناء والابتذال، لا إلى ثقافة اسواق عكاظ والمربد ، ولا إلى المعلقات والسجالات الشعرية الخالدة بين. فحول الشعراء مثل امريء القيس وعنترة ابن شداد والمتنبي وجرير والفرزدق والاخطل واحمد شوقي وحافظ ابراهيم وغيرهم الكثيرين وأصبحنا نعشق الترفيه السريع، ونمقت الإبداع الثقافي والعلمي العميق.
صحيح أن القرن العشرين شهد ظهور أسماء كبيرة رفعت الهامة العربية عالياً، مثل مصطفى لطفي المنفلوطي، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ونجيب محفوظ، لكن السؤال المؤلم: ماذا بعدهم؟.
كنت أتمنى لو أننا نمارس نوعاً آخر من "الاستعراض”؛ استعراضاً ثقافياً يقوم على المعرفة، وعلى الحوارات الفكرية، وعلى الصالونات الأدبية، وعلى المنتديات الجادة التي تُنتج فكراً وتُراكم وعياً، لا أن تكون مجرد واجهات اجتماعية أو منصات شخصية، يغلب عليها التصوير والظهور أكثر مما يغلب عليها المحتوى.
لقد تسللت ثقافة الاستعراض حتى إلى الأنشطة الثقافية نفسها. ففي كثير من المناسبات التي يُفترض أن تكون ذات مضمون معرفي، يصبح الهدف الأساسي هو التقاط الصور، وتصنع الابتسامات، والظهور بجانب شخصيات معروفة أو أصحاب مناصب. ينتهي الحدث، وتبقى الصور، بينما تغيب المخرجات الثقافية الحقيقية، وكأن الثقافة أصبحت مجرد خلفية لصورة تذكارية.
إن الثقافة هي مرآة الشعوب، ومن خلالها تُبنى الحضارات وتُصاغ الهويات. وإذا تأملنا الحضارة العربية الإسلامية، نجد أنها احتلت مكانة رفيعة في الإرث الثقافي الإنساني، وتعاملت بندية مع الثقافات الأخرى، بل وتفوقت عليها في مراحل كثيرة. ولم يكن ذلك نتيجة القوة السياسية فقط، بل لأن الوعي الثقافي والأدبي كان جزءاً أصيلاً من بنية المجتمع والدولة.
أما في الأردن، فإن عمقنا الثقافي جزء من العمق العربي العام، الذي تأثر بعوامل سياسية واجتماعية متعددة. وربما كان من أبرز أسباب التراجع غياب المشروع الثقافي الوطني المستدام، وترك الثقافة رهينة المبادرات الفردية وردود الأفعال، بدلاً من أن تكون جزءاً من استراتيجية وطنية واضحة.
وإذا نظرنا إلى أمم أخرى، سنجد الفارق واضحاً. يكفي أن يسافر أحدنا إلى أوروبا أو أمريكا أو شرق آسيا، ويركب قطاراً أو مترو، ليرى الناس يستثمرون وقتهم في القراءة أو الدراسة أو العمل. أما نحن، فكثيراً ما نستثمر الوقت في مراقبة الآخرين والانشغال بما لا يضيف إلى وعينا شيئاً. وهذه ليست مقارنة للتقليل من أنفسنا، بل دعوة صادقة لمراجعة الأولويات.
لقد سبقتنا أمم كثيرة لأنها احترمت المعرفة، وقدّمت الكتاب على المظهر، والعقل على الصورة، والفكرة على الاستعراض.
واليوم، نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار للثقافة بوصفها ضرورة وطنية وحضارية، لا نشاطاً موسمياً، ولا مناسبة اجتماعية، ولا وسيلة للوجاهة.
فالثقافة ليست صورة تُلتقط، ولا منصة يُعتلى عليها، ولا لقباً يُتداول بين الناس؛
الثقافة وعي، وسلوك، وإنتاج، ورسالة.
وعندما ندرك هذه الحقيقة، ربما نبدأ فعلاً طريق العودة إلى أمة تقرأ، وتفكر، وتبني حضارتها من جديد.
والله من وراء القصد