اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

فراس المجالي : بين سمو الرؤى وضَعْف الأدوات

فراس المجالي : بين سمو الرؤى وضَعْف الأدوات
أخبارنا :  

تواجه الدولة الأردنية، وهي تقف على مشارف العيد الثمانين لاستقلاها ، استحقاقاً يتجاوز منطق المسكنات التقليدية وسياسات الترحيل الهادئ ، الذي لم يعد مناسبا لإدارة ملفات وطنية معقدة وسط عالم محكوم بحالة من عدم اليقين الاقتصادي، وفوضى من التحالفات غير المستقرة.

وفي إقليم يموج بمشاريع التوسع و التوطين ومحاولاتٍ لاستهداف الكيانات والدول ، تتجلى المقاربة الملكية كقراءة سيادية واعية تؤمن بأن حماية الأمن الاستراتيجي الخارجي تبدأ من صلابة الجبهة الداخلية وتماسك سنديانتها الوطنية.

و من هنا، يأتي حرصُ جلالة الملك، بواقعيته المعهودة، في التأكيد المستمر على أن نجاح ملف السياسة الخارجية يتطلب تحقيق تقدم موازٍ، لا يقل جسارة، في ملف السياسات الداخلية ، بدءاً من إصلاح إداري واقتصادي ملموس، و وصولاً إلى ارتقاء حقيقي في جودة الخدمات يعيد تدوير عجلة الثقة بين المواطن والدولة.

ان قراءةُ متعمقة لخطابات وتصريحات جلالته تبين رسالة مفادها أن المواءمة النوعية بين شرعية الوجود و حتمية الإنجاز تمثل عصب الفكر الملكي ؛ وهو وعي متقدم يدرك تماماً أثر الضغوط المعيشية على المواطن الأردني، ويرى في تماسك الجبهة الوطنية المادة الأساسية والدرع الصلب لصد الأنواء الخارجية.

فالمعضلة لاتكمن في شح الموارد وحسب، بل في تلك الفجوة الهيكلية بين ايقاع استشرافي متسارع يقوده رأس الدولة بوعي سيادي لتحولات خارطة العلاقات الدولية ، وبين ايقاع تنفيذي بطيء غارق في جمود البيروقراطية وعقلية المياومة وتسكين الأزمات.
ولا شك بان هذا التباين يتطلب تفكيكاً للسردية الحكومية السائدة التي اختزلت الإصلاح في وعود ورؤى معلقة، واعتمدت على أدوات إدارية وسياسية تماطل لكسب الوقت في مواجهة وعي شعبي جارف، بات ينتقد اليرقان الاقتصادي والارتجال الإداري بصوت مسموع.

و يستند ذلك النقد إلى سجل متراكم من الوعود الفضفاضة وسياسات ذر الرماد في العيون، التي اسهمت في تآكل الرصيد الشعبي للحكومة ودفعت ما كان يوصف بالأغلبية الصامتة إلى ترك مربع الحياد بعد أن مس الضرر متطلبات حياتها الأساسية وهدد التخبط الإداري ضماناتها المستقبلية.

ومن المفارقات ايضا ما يدور في المشهد الحزبي رغم ما قدمته البيئة التشريعية من توسع في دعم التحديث السياسي وتشريع الأبواب له.
لكن ذلك قُوبل بممارسات سلبية أنتجت تجربة حزبية يراها المواطن ضعيفة ومفرغة من مضمونها البرامجي؛ بعد انزلاقها السريع في فخ النفعية الضيقة، وإعادة تدوير الوجوه المستهلكة شعبياً، والغرق في خلافات بينيّة أضعفت الثقة العامة في جدوى هذا المسار وقدرته على حمل هموم الوطن.

اما الخطاب الحكومي فيبدو انه قد استسلم لـفكرة خصخصة الوعي الوطني بعد ان عجز في مهمة تأميمه نحو برامج الدولة المستهدفة، وتقوقعَ في نمط المسؤول الفرد الذي يختبئ وقت الحاجة للمكاشفة، ويتحدث حين يتوجب عليه الصمت.

ومن شأن هذا التراجع ان يثير التساؤل حول قدرة الأدوات التقليدية المتكلسة على صناعة إعلام سيادي يمتلك زمام المبادرة والمواجهة في عصر الفضاء الرقمي المفتوح، والشائعات الممنهجة، بحيث يقدم رواية رسمية مقنعة تمثل خط الدفاع الأول عن الدولة ومستقبلها، بدلاً من اللجوء للإنكار والاختباء خلف ديباجات البيانات الخشبية.

إن الواجب الاساسي للخطاب التنفيذي يتطلب الانتقال من سياسة الوعود الفضفاضة إلى تقديم نتائج حقيقية ملموسة، بعيداً عن الاستعراض بجداول القياس الوهمية وخلط الأرقام، لتقليص الفجوة بين طموح التنظير وإمكانات الواقع .

فاستعادة ثقة المواطن الحقيقية تحتاج الى جهد استثنائي يعيد التوازن لمعادلة الحقوق والواجبات، لكي يتجاوز القرار الحكومي هاجس الجباية المستفِز لجيوب الناس والمنشآت، و يتحول إلى عقد نفعي تبادلي وأداة تنموية يستشعر المُــكَلـفُ أثرها في جودة الخدمات .

لقد بات كسر حلقة تدوير النخب المستهلكة امرا ملحا اليوم ، بدلاً من لعبة إشغال الرأي العام بمفرقعات التعديل الوزاري ورش الطلاء على وجوه متهالكة .

وذلك ما يتطلب شجاعة في إفراز قيادات إدارية برؤى حديثة، قادمة من قطاعات الإنتاج والاختصاص الحقيقي، تمتلك القدرة على قيادة مشروع التحديث الوطني بعيداً عن ظلال الريبة وإرث الإخفاق المتراكم .

إن بقاء الرؤية الملكية في ذروة استشرافها الإستراتيجي ، مع جهاز تنفيذي يصر على الدوران في فلك أدواتٍ متكلسة، لم يعد مجرد تباينٍ في الإيقاع؛ بل غدا استنزافاً الوقت، وتبديداً لملامح الثقة، وهدراً للموارد.

ولاشك بان هذا التباين يتطلب أكثر من أي وقت مضى، استحقاقاً للمكاشفة، ومراجعةً كلف الفرص الضائعة؛ فالدولة لا تملك ترف الانتظار، حين تعجز أدواتها التنفيذية عن الارتقاء إلى مستوى رؤى الوطن العابرة لحدود الحكومات .

مواضيع قد تهمك