نواف الزرو: 78 عاما على النكبة واغتصاب فلسطين: استراتيجية الإبادة: الأرض والديموغرافيا والترانسفير في حسابات الامن القومي الصهيوني…؟!
نواف الزرو :
نتابع في المشهد الفلسطيني الحروب الصهيونية الإبادية الإجرامية المفتوحة ضد الشعب الفلسطيني، كما نتابع مسلسل المشاريع والخطط التي تدعو الى التطهير العرقي والتهجير الشامل للشعب الفلسطيني، وهذا ينبع بالأساس من قناعتهم بان مستقبلهم سيبقى قلقا وغير آمن طالما بقي الشعب الفلسطيني في المواجهة، ففي ظل المشهد الفلسطيني الراهن وفي ضوء الجبهات التي يفتحها العدو الصهيوني على كل العناوين والملفات الفلسطينية، وبينما تتمادى قيادات الكيان ومؤسسته الامنية والسياسية وترغد وتزبد وتعربد وتقتل وتتغطرس وتهدد وتجتاح وتغتال ، وبينما تحظى بدعم وغطاء اعتى قوة دولية تقف وراءها، إلا ان تلك القيادات وتلك المؤسسة في حالة قلق دائم، بل انها ما تزال تخشى الوجود والحضور الفلسطيني بكل عناوينه ومضامينه وتسمياته، فهي تخشى التكاثر العربي الفلسطيني، والتواجد على امتداد مساحة فلسطين، وتخشى انتشار المدارس والجامعات الفلسطينية، والعلم والتعليم والاجيال المتعلمة والتطور التكنولوجي، وتخشى المعرفة الفلسطينية، بل وتخشى حتى الطفل الفلسطيني وهو في بطن امه، وتخشى القائد والسياسي والعسكري والخبير والمفكر والفنان و الصحفي والباحث، وربما اكثر ما تخشاه المؤسسة الصهيونية هو هذا الحضور الفلسطيني في كل مكان في المنابر الاممية والدولية وفي الفعل الشعبي وفي حملة المقاطعة الدولية، وتخشى المسيرات والاعتصامات والمواجهات والتضحيات، فهي تخشى الرواية العربية الفلسطينية ونشر الحقيقة التي من شأنها تراكميا ان تسقط الرواية الصهيونية.
فهم في الكيان يعملون منذ البدايات على "اختراع وشرعنة اسرائيل واسكات الزمن العربي الفلسطيني بكل معانيه ورموزه ومعالمه ومضامينه التاريخية والحضارية، لانهم يدركون تماما ان المعركة ما بيننا وبينهم هي في الحاصل” "إما نكون او لا نكون”، وهم يتصرفون على هذا الاساس، في الوقت الذي تنهار فيه اللاءات العربية –الرسمية-التي كان حملها الراحل الخالد عبد الناصرالذي أكد في احد خطاباته: "إما ان تكون الامة أو لا تكون في صراعها مع العدو”.
وفي هذا السياق الصراعي الوجودي، ليس من شك ان أفكار ومشاريع الإبادة والتدمير والتهجير ضد الفلسطينيين في غزة والضفة التي تطل علينا بقوة في هذه السنوات الاخيرة، وخاصة على لسان الثنائي ترامب ونتنياهو، ليست جديدة او منقطعة الجذور، بل هي امتداد واستمرار لسلسلة طويلة لا حصر لها من الأفكار والمشاريع الإبادية التهجيرية السابقة، وهي كذلك تأتي في سياق القلق الأمني والمستقبلي الصهيونية من الوجود والحضور والتكاثر السكاني الفلسطيني على امتداد مساحة فلسطين، وتأتي ايضا في سياق الحرب الصهيونية الإبادية التي تشن على اهلنا في غزة والضفة، وهي على صلة مباشرة ايضا بالتهديدات الديموغرافية التي يطلقها”انبياء الغضب الديموغرافي في اسرائيل”، ومنها على سبيل المثال الاصوات والتحذيرات التالية: فبعد انشغالات "اسرائيل” على مدى السنوات الماضية بالحروب المشتعلة في المنطقة العربية، وبالتهديدات الوجودية المتمثلة-من وجهة نظرهم- بالنووي الايراني واسلحة حزب الله الكاسرة للتوازن-قبل الحرب الإبادية الاخيرة، وكذلك بالوجود الفلسطيني في غزة، أطل علينا رئيس الموساد الأسبق أفرايم هليفي بتصريح من الوزن الثقيل، يعيدنا فيه، بل يعيد الصراع الى بداياته الى هناك الى الساحة الفلسطينية، ليعلن: إن التهديد الوجودي بالنسبة لدولة إسرائيل ليس تهديد النووي الإيراني، وإنما "اليوم الذي يكون فيه عدد اليهود في البلاد أقل من عدد العرب بين النهر والبحر”، مضيفا في فعالية نظمت من قبل "منظمة حاخامات تسوهار-التي تعرف نفسها بأنها منظمة صهيونية تشكلت من مجموعة من الحاخامات بهدف المشاركة في صياغة هوية يهودية دولة إسرائيل”، إنه أدلى بأقوال مماثلة في لقاء مغلق جمعه مع قادة الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية قبل عدة سنوات”، مؤكدا من جديد:”عقدت جلسة للجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، وقدم نائب رئيس الإدارة المدنية، مندس، معطيات إحصائية جاء فيها أن عدد الفلسطينيين بين البحر والنهر أكبر من عدد اليهود، وذلك استنادا لسجلات الفلسطينيين وإسرائيل، وهي سجلات دقيقة”، موضحا:” أيضا إن ذلك يشكل تهديدا وجوديا على دولة إسرائيل لأنها "لم تنه بعد حرب استقلالها، والسؤال الرقمي الديمغرافي مصيري من كل النواحي لمستقبلنا”، مؤكدا: "إن إسرائيل ستصمد عسكريا، ولكن إذا تناقص العدد فإن التفوق العسكري لن يكون كافيا بحد ذاته، ولن يكون ذا أهمية بشأن وجودنا القومي على أرضنا، وهذه مأساتنا الكبرى”.
والملاحظ في اعقاب قنبلة هليفي الجديدة-القديمة، انه تراكمت في الآونة الاخيرة جملة كبيرة متزايد من الاشارات والمعطيات الخطيرة التي تؤكد: ان المؤسسة السياسية – الامنية- الاكاديمية- الاستراتيجية الاسرائيلية فتحت و/او سحبت من الجارور مجددا ملف "الخطر الديموغرافي العربي” على "اسرائيل” والامن القومي الصهيوني، في الوقت الذي اخذت فيه تلك الاصوات المنادية بـ”ضم الضفة الغربية للسيادة الاسرائيلية-ما يعني عمليا ترانسفير”جماعي جديد ضد الشعب الفلسطيني باتجاه "الوطن البديل”، تتزايد وتتقوى من جهة ثانية، ما يقود من جهة ثالثة الى تراصف الاسئلة والتساؤلات الكبيرة المتفجرة المتعلقة بالاجندة الصهيونية الحقيقية تجاه من بقي من عرب فلسطين 1948 او في الضفة والقطاع.
وفق المؤشرات الاسرائيلية فإنه ما من موضوع راهن في سياق الصراع يحتشد حوله "اجماع قومي اسرائيلي” اكثر من موضوع "الأرض” و”الديموغرافيا”.. فهم وفق هذا الاجماع يريدون الأرض كلها يهودية صهيونية بلا سكان عرب، ومن هنا شكلت وما تزال دائما هذه المسألة هاجسا يقض مضاجعهم..وفي هذا السياق يوثق الكاتب الاسرائيلي حجاي العاد حالة القلق التي تسيطر على المؤسسة الاسرائيلية بكاملها من الوجود السكاني العربي في فلسطين قائلا:”بصراحة، وبكل المقاييس المحتملة، باستثناء مقياس واحد، فإن النصر الصهيوني على الفلسطينيين هو نصر مطلق. فالسلطة السياسية والعسكرية والاقتصادية أصبحت في أيدينا بالكامل، ومثلها السيطرة على الأرض والمياه والموارد الطبيعية الأخرى. في جميع أنحاء أرض إسرائيل، اليهود أقوى وأغنى من الفلسطينيين بفرق كبير، لقد انتصرنا.لم يبق إلا قضية واحدة لم نهزمهم فيها، وهي التركيبة السكانية، لم نكرر في عام 1967 الإنجازات الكبيرة التي حققناها في 1948، يمكن سد الفجوة من خلال الترانسفير والتطهير العرقي، وبهذه الطريقة ستحقق تركيبة السكان المؤشرات الأخرى. كل شيء سيكون في أيدينا (كما هي الحال الآن)، وفي الوقت نفسه (هذا هو الجديد) سنصبح كل الشعب، وبهذه الطريقة سنتخلص أيضاً من شوكة الفصل العنصري التي رغم أننا لا ندفع ثمنها دولياً، إلا أنها ما زالت تسبب الإزعاج- حجاي العاد هآرتس 27/3/2026″. ويضيف:”سنقتبس أقوال دافيد بن غوريون في الكنيست في نيسان 1949: "عند طرح سؤال حول كل الأرض دون دولة يهودية أو دولة يهودية دون كل الأرض، فقد اخترنا دولة يهودية من دون الأرض الكاملة. ولكن الحقيقة أن بن غوريون في نفس خطابه في الكنيست، في مقطع نادر ما يتم اقتباسه، أوضح حدود الأرض بوضوح في خطابه الصريح حول مسألة أخرى، وهي دير ياسين، هاكم أقوال رئيس الوزراء ووزير الدفاع في حينه: "دولة يهودية دون دير ياسين في الأرض الكاملة لن تقوم إلا في ظل ديكتاتورية الأقلية”، بكلمات أخرى، أوضح بن غوريون بأنه لا يمكن تحقيق تطهير عرقي ناجع دون مذابح مثل مذبحة دير ياسين، وقال لمنتقديه في الكنيست بأنه "إذا أردنا وحدة الأرض” و”دولة يهودية، فلا بد من المزيد من المجازر، "علينا تنفيذ دير ياسين في كل أرجاء البلاد” لطرد الفلسطينيين من المزيد من أجزاء أرض إسرائيل، ويؤكد:”إن إقامة دولة يهودية في الواقع الحالي، حتى في غرب أرض إسرائيل فقط دون دير ياسين، هي أمر مستحيل إذا أردنا أن تكون دولة ديمقراطية، لأن عدد العرب في غرب أرض إسرائيل أكبر من عدد اليهود”. بالتالي، حدود دولة إسرائيل ليست مسألة عسكرية أو سياسية بحتة، بل هي في المقام الأول مسألة ديمغرافية، فإسرائيل بعد 1949 كانت بحجم المنطقة التي يمكنها فيها تنفيذ "دير ياسين” والتمتع بثمارها. وبالفعل، بعد تلك الحرب، وضمن حدود الخط الأخضر، تمكنا من إقامة دولة كل شيء فيها في أيدينا، بما في ذلك الأغلبية السكانية. وبعد عام 1967 حققنا "وحدة الأرض”، حتى لو كان ذلك على حساب طرد نحو ربع مليون فلسطيني، لكن بدون نكبة ثانية”، ويختم الكاتب العاد:” وهكذا، نحن عالقون مع "عرب في غرب أرض إسرائيل” يساوي عددهم عدد اليهود”.
هم في "اسرائيل” يطلقون عليها تارة "المسألة الديموغرافية”، وتارة اخرى "الخطر الديموغرافي” وتارة ثالثة "القنبلة الديموغرافية المتكتكة”، ويجمعون هناك في "اسرائيل” على انها "تشكل تهديدا استراتيجيا داهما لوجود اسرائيل”..وقد اطلقوا على أولئك الباحثين والمحللين والمفكرين من الاسرائيليين الذين يفتحون "الملف الديموغرافي” ويثيرون الجدل حوله اسم "انبياء الغضب الديموغرافي”، ذلك ان عددا منهم يتنبئون بنهاية الدولة اليهودية، بسبب التكاثر الديموغرافي العربي..وكان في مقدمة هؤلاء وأولهم البروفسور "الياهو رابينوفتش”الذي تنبأ بـ”خراب اسرائيل” بعد احتلالها للاراضي العربية في حزيران 1967م.
وكثر عدد "انبياء الغضب الديموغرافي”اليوم لدرجة بات يصعب حصرهم.. فحتى السياسيون الاسرائيليون وعلى رأسهم على سبيل المثال شمعون بيريز "الحمامة المعتدل”، الذي صرح قبل وفاته: "ان القدس لا يمكن ان تبقى موحدة عاصمة اسرائيل الى الابد طالما هناك "240” ألف عربي فيها”، ما فهم على انه دعوة لـ”ترانسفير” ضد عرب القدس.
وقد تأجج الجدل الاسرائيلي على مختلف المستويات حول هذه المسألة/ المشكلة الاستراتيجية ويصل في هذه الايام الى ذروته المحمومة في ظل حكومة نتنياهو واليمين الفاشي المتشدد الذين يرددون على مدار الساعة المطالبة ب”ضم الضفة للسيادة الاسرائيلية”، الذي ينطوي من ضمن ما ينطوي عليه على "التخلص من المشكلة الديموغرافية العربية في هذه الجبهة”.
ربط المرحوم الدكتور عبدالوهاب المسيري في مقالة له حول المسألة ربطا جدليا ما بين ثلاثة هواجس تهيمن على "1-
1- الهاجس الديموغرافي.
2- هاجس نهاية وجود اسرائيل كدولة يهودية.
3- هاجس حق العودة وتقرير المصير لملايين اللاجئين الفلسطينيين.
وكان المؤرخ الاسرائيلي البروفسور بني موريس قد تناول مشكلة "الخطر الديموغرافي العربي” قائلا: "فقط اذا واجهت اسرائيل المسائل الحقيقية الجوهرية في الصراع -مثل الديموغرافيا وحق العودة، والاعتراف بحدود اسرائيل الديموغرافية – فإن مستقبل الدولة سيكون مضمونا”.
اما كبير الديموغرافيين المختص في "الديموغرافيا اليهودية” البروفسور سيرجي ديلا فرغولا فقد تنبأ مبكرا حين قال: "خلال سنوات معدودات سيتحول اليهود الى اقلية في المساحة الواقعة بين البحر المتوسط ونهر الاردن”
و”ان الحل يكمن في تغيير الوضع الديموغرافي لصالح اليهود بصورة ملموسة.. ويجب مثلا نقل عرب المثلث للجانب الآخر مما سيريح اسرائيل من ثلث سكانها العرب، الامر الذي يضمن اغلبية يهودية حتى العام 2050 على الاقل”.
اما البروفسور الديموغرافي الآخر وهو "امنون سوفر” فقد قال”ان اسرائيل تسير نحو الانتحار” و”ان الحل يكمن في التخلص من السكان واقامة الجدار.. فهذا يعني النجاة لليهود”.. مضيفا: "ان السور هو الطريق الوحيد للانتصار على الرحم الفلسطيني، فإذا سقط هذا الجدار سيغمرنا طوفان هائل من الفلسطينيين.. واذا سقط الجدار سقطت اسرائيل”.
الصحفي الامريكي بنجامين شفارتس” احد كبار محرري مجلة "اتلانتيك” الامريكية اوصل "الجدل الديموغرافي” الاسرائيلي الى ذروة جديدة محمومة حينما كتب في وقت سابق متسائلا تحت عنوان: "هل ستبقى اسرائيل قائمة بعد مئة عام؟”، يجيب "شفارتس” بوضوح: "انه قرر مستندا الى محادثات اجراها مع جهات اسرائيلية مختلفة في اسرائيل وبالاساس على التوقعات الديموغرافية الاسرائيلية: ان الرحم الفلسطيني هو قنبلة متكتكة فعلا.. وستؤدي في نهاية المطاف الى ترجيح كفة الميزان السكاني الفلسطيني ومنع اسرائيل من الحفاظ على التوازن الديموغرافي في ايار 2048”.
كانت”وثيقة مؤتمر هرتسليا” الذي عقد خلال فترة 19-21 كانون الاول/ 2000 وهي الاخطر في هذا المنطلق، اوصت المؤسسة الاسرائيلية باعطاء الاولوية العليا للمشكلة الديموغرافية مؤكدة:”سيكون من الواجب ايجاد مخرج.. ليس في دولة اسرائيل، دائما الى الشرق من الاردن”..
تشكل "وثيقة هرتسليا” الخلاصة المكثفة لذلك الكم الهائل من الادبيات والافكار والمشاريع والاصوات الداعية الى التدمير الشامل للمجتمع الفلسطيني.. والى الترانسفير الجماعي ضد الفلسطينيين، ليتبين لنا مجددا اننا عمليا من جهة اولى امام نبوءات "انبياء الغضب الديموغرافي”، واننا من جهة ثانية امام نوايا ومخططات اسرائيلية جهنمية تبيت لنا المزيد والمزيد من النكبات.. وتستحق تصريحات وأقوال رئيس الموساد الاسبق هليفي، وكذلك نبوءات "انبياء الغضب الديموغرافي” المتابعة والعناية والتعزيز على مستوى الدائرتين الفلسطينية والعربية…إن جد الجد لدى الجميع….!؟
وتبقى الحقيقة الكبيرة في ضوء كل ذلك: ان الشعب العربي الفلسطيني في حالة اشتباك تاريخي ووجودي وجذري مع المشروع الصهيوني، وبالتالي تحتاج فلسطين والقدس والقضية كما يحتاج الانتصار الى عودة العمق والموقف والدعم العربي الحقيقي….!
ــ راي اليوم
Nzaro22@hotmail.om