النقابات المهنية.. صدام أجيال على إلغاء أو الإبقاء على المكتسبات
كتب: إيهاب مجاهد
شهدت اجتماعات الهيئات العامة للنقابات المهنية، التي عقدت في مواعيدها القانونية مؤخرا حالة من الهدوء النسبي في معظمها، إلا أن هذا الهدوء لم يدم طويلاً، بعدما كسرت بعض الاجتماعات حالة الرتابة برفع شعارات احتجاجية من أبرزها «لا للإلزامية» و»لا للربط.. لا للجباية»، في مشهد عكس تحولا في العلاقة بين القواعد النقابية ومجالس النقابات حول الملفات المالية والخدمية. ولم تعد اجتماعات الهيئات العامة كما كانت في السابق مجرد مناسبة تستعرض فيها مجالس النقابات إنجازاتها وتقاريرها الإدارية والمالية أمام الأعضاء، بل تحولت إلى منصات مفتوحة تعكس تغير المزاج النقابي والمهني، في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية وتراجع القدرة المعيشية للمنتسبين. وباتت القضايا المرتبطة بالرسوم والاشتراكات والتقاعد والتأمين الصحي وفرص العمل تتصدر أولويات النقاش، متقدمة على الملفات التقليدية والخطابات النقابية المعتادة، في مؤشر واضح على اتساع الفجوة بين متطلبات الحياة اليومية للمهنيين والقدرة على تحمل الأعباء المالية المتزايدة.
في نقابة المهندسين، برزت قضية إلزامية الاشتراك في صندوق التقاعد كأكثر الملفات سخونة، حيث شهد اجتماع الهيئة العامة حوارات حادة بين جيل الشباب الرافض لاستمرار إلزامية الاشتراك، والمتقاعدين والمقبلين على التقاعد الذين يتمسكون بها باعتبارها المصدر الرئيسي لإيرادات الصندوق، وأملهم الأخير بالحفاظ على الحد الأدنى من الرواتب التقاعدية التي تآكلت قيمتها مع تراجع إيرادات الصندوق وارتفاع الأعباء المالية. وتمكن تيار المهندسين الشباب من فرض مطلبه بإلغاء الإلزامية، بانتظار أن ينعكس ذلك على التعديلات المرتقبة على نظام التقاعد وقانون النقابة. وكانت الهيئة المركزية للنقابة «برلمان النقابة» قد وافقت سابقاً على توصيات الهيئة العامة لصندوق التقاعد، التي تضمنت إلغاء إلزامية الاشتراك، وتخفيض قيمة الاشتراكات على المهندسين الشباب، إلى جانب الفصل بين الصناديق، بهدف تخفيف الأعباء المالية وتعزيز استدامة صندوق التأمين الصحي. في نقابة الصيادلة كان المشهد أكثر سخونة، حيث سُجل واحد من أطول اجتماعات الهيئات العامة في السنوات الأخيرة، كما شهد الاجتماع أول حالة انسحاب لمجلس النقابة من الجلسة تحت وقع انتقادات حادة وجهها أعضاء الهيئة العامة لأداء المجلس، قبل أن يعود المجلس إلى المنصة ويستأنف الاجتماع مجدداً.
وشهد الاجتماع بروز تيار نقابي جديد تحت اسم «تيار النهضة والتغيير الصيدلاني»، بالتزامن مع تصاعد الاحتجاجات على قرار النقابة ربط تجديد شهادة مزاولة المهنة بتسديد الالتزامات المالية المستحقة للنقابة، وهو ما دفع المشاركين إلى رفع شعار «لا للربط.. لا للجباية». ويؤكد معارضو القرار أن رسوم تجديد شهادة المزاولة لا تتجاوز 40 ديناراً كل خمس سنوات، إلا أن المشكلة تكمن في تراكم المستحقات المالية على آلاف الصيادلة، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وضعف دخول العاملين في القطاع، الأمر الذي يجعل الكثير منهم غير قادرين على السداد. كما حذر عدد من الصيادلة من تداعيات القرار مع اقتراب موعد تجديد شهادات المزاولة خلال شهر حزيران المقبل، مشيرين إلى أن عدم التجديد قد يعرض الصيادلة للمساءلة القانونية ويهدد وظائفهم.
في المقابل، أكد نقيب الصيادلة الدكتور زيد الكيلاني أن ربط تجديد المزاولة بتسديد الالتزامات المالية يستند إلى نصوص قانونية واضحة تطبق على مختلف النقابات المهنية. وأوضح الكيلاني أن القانون ينص على شطب الصيدلاني مؤقتاً من سجلات المزاولين في حال عدم تسديد الرسوم خلال ستة أشهر من بداية السنة، وفي حال عدم تصويب أوضاعه خلال عام يتم شطبه نهائياً، لافتاً إلى أن النقابة «تسامحت لسنوات مع غير المسددين رغم عدم وجود سند قانوني لذلك».
وأضاف أن نظام تجديد المزاولة المعمول به منذ عام 2019 يشترط حصول الصيدلاني على وثيقة تثبت انتسابه للنقابة وتسديد التزاماته المالية، مؤكداً أن النقابة لا تستطيع إصدار هذه الوثيقة لمن لم يسدد ما عليه من مستحقات. وأشار إلى أن النقابة طرحت آليات لجدولة وتقسيط المستحقات بهدف مساعدة الصيادلة على تجديد مزاولتهم، مبيناً أن القانون لا يسمح بإلغاء الغرامات وإنما يجيز جدولتها فقط.
وأكد الكيلاني أن تراكم المشكلة يعود إلى عدم التزام بعض الصيادلة بتسديد التزاماتهم المالية منذ سنوات، موضحاً أنه «لو تم التسديد تدريجياً منذ عام 2019 لما وصلت الأمور إلى هذه المرحلة». وشهد الاجتماع مداخلات موسعة من عشرات الصيادلة الذين طرحوا قضايا مهنية ونقابية وخدمية متعددة، ضمن نقاشات اتسمت بالشفافية والحرص على تطوير المهنة وتعزيز دور النقابة في خدمة منتسبيها. وفي ختام الاجتماع، أكد مجلس النقابة الأخذ بكافة توصيات الهيئة العامة المالية والإدارية، والعمل على تضمينها ضمن خطة وبرنامج عمل المجلس للمرحلة المقبلة، بما يضمن تنفيذها تدريجياً وبصورة منهجية تسهم في تطوير الأداء النقابي والخدمات المقدمة للصيادلة. ــ الدستور