رمزي الغزوي : الذاكرة ليست شاهداً نزيهاً
في البديهيات يقولون إن الزمن يمضي، غير أن الحقيقة الأكثر قسوة ترى أنه لا يذهب إلى أي مكان. نحن من نعيد تشكيله داخل أرواحنا، ونقصه ونلونه ونبدل ملامحه، عبر ذاكرة منحازة تتأرجح بين وجهين: صديق حكيم، وعدو لئيم. فالذاكرة لا تنقل الماضي كما كان، وإنما تعيده بالصورة التي نستطيع احتمالها.
قد يبدو ذلك نوعا من التحريف، لكنه في جوهره إحدى وسائل النجاة. الإنسان لا يقوى على حمل الحقيقة كاملة، ولهذا تمارس ذاكرته المراوغة حيلتها القديمة؛ أي الانتقاء الرحيم الذي يشبه مخرجا يدرك أن بعض المشاهد، إذا عرضت كما هي، قد تحرق الخشبة وتسدل الستارة قبل نهاية العرض.
طفل يتذكر حضن أمه دافئا رغم أنها غابت قبل أن تكتمل حروفه الأولى، وفتاة ترى والدها بطلا مع أن صوته المرتفع كان يوقظ الخوف في أعماقها، ورجل في خريف العمر يحن إلى أيام التصعلك والفقر وشظف العيش والمرمطة، كأن القسوة القديمة أقل وطأة من هشاشة الحاضر. الذاكرة هنا لا تمنح الحقيقة بقدر ما تمنح القدرة على الاستمرار، وكأنها تعيد ترميم الشقوق الداخلية كي لا ينهار الإنسان تحت ثقل ما عاشه.
على الضفة الأخرى تقف ذاكرة صارمة، لا تحذف ولا تخفف ولا تهادن. تحفظ الأخطاء كندوب مفتوحة، وتترك الندم فاغر الفم كقبر قديم. أصحاب هذه الذاكرة ينامون بأعين نصف يقظة، ويتنفسون بصعوبة، ويعجزون عن طي صفحة الأيام؛ لأن الماضي ما يزال يفرغ حقائبه الثقيلة في غرفهم كل ليلة.
وهنا يصبح السؤال أكثر إيلاما: أي الذاكرتين أكثر إنسانية؟ تلك التي ترحمنا عبر الوهم المتسلسل، أم من تصر على الحقيقة حتى النهاية؟ وهل يستطيع الإنسان أن يعيش خارج هذين القيدين، الرحمة أو الصدق، أم أننا نبني ذواتنا فوق طبقات صغيرة من الأوهام الضرورية التي تمنح الروح قدرة مؤقتة على الاحتمال؟
نحن أسرى لذاكرة مخاتلة زئبقية، تظهر أحيانا في هيئة أم حنون، وأحيانا أخرى في صورة سجّان لا يكل. وفي الحالتين، لا تبدو مرآة صافية أبدا. إنها قلم كاتب مرتبك يعيد كتابة الرواية ذاتها مرة إثر أخرى، مع تعديل طفيف في النهايات، كأنه يحاول إنقاذ أبطاله المتأخرين. ومع هذا هل نملك شجاعة العيش بلا ذاكرة؟ أم أن نسيان الألم هو النجاة الوحيدة المتاحة لنا فوق هذا الكوكب المنكوب بالويلات؟ وإذا كانت نجاة موهومة، فهل نحتمل الحقيقة حين تصلنا عارية تماما؟
ــ الدستور