بشار جرار : الأم.. في عيدها الأمريكي!
الأم، أم. واجبٌ تبجيلها. ولا خير في إنسان أو بلاد ما عرفت قدرها. وما من أبلغ في وصف الحال في هذا المقال، أكثر من تشبيهنا الوطن بالأم، ووعاء الوعي والفكر باللغة التي تبقى أكثرها بلاغة، هي تلك اللغة الأم التي تصوغ مفرداتها كل ما يحرك الإنسان ويضبط سلوكه وانفعاله، وليس العكس، إلا ما ندر.
في حضارات قديمة منها الفرعونية، ينسب الإنسان إلى أمه توكيدا لقدرها ومكانتها في احتضانه جنينا حتى كبر المولود بعد الفطام، بما نشأ وتربى على قيم ومعارف ومهارات زرعتها الأم، «الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيّب الأعراق» كما قال «شاعر النيل» حافظ إبراهيم.
أخط هذه السطور في العاشر من أيار الذي يصادف كونه ثاني آحاد شهر تفتح الزهور، شهر مايو/ أيّار، يصادف عيد الأم في بلاد العم سام. تلك نعمة ظفر بها مرتين سنويا، من حرص على البر بأمه حاضرة كانت في دنيانا، أو كان حضورها ذِكرا طيبا في ضيافة الرحمن. الخير خيران، حيث يحتفل الأمريكيون القادمون من الدول العربية، والمشرقيون ومعظم دول العالم، يحتفلون بعيد الأم مرتين، الأول مع الربيع، في الحادي والعشرين من آذار والثاني، كما أشرت آنفا في ثاني آحاد أيار.
من أطرف ما لفت انتباهي في التعبير عن هذه المناسبة أمريكيا صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي غرد بها جمهوري من محبي وزير الخارجية ماركو روبيو حيث بدا محاطا بأطفال من مختلف الأعمار محتضنا رضيعين ذكرا وأنثى، معلنا بذلك أن هذا أقل الواجب في التعبير عن دعمه ومحبته لزميلاته في الوزارة والسلك الدبلوماسي خارج البلاد، ممن يقدمن الكثير من التضحيات في خدمتهن للوطن إلى جانب تحملهن مسؤولياتهم كأمهات.
الصورة الأصلية اكتسبت زخما كبيرا العام الماضي في أحد اجتماعات المكتب البيضاوي في البيت الأبيض، كونها سجلت تعبيرا على وجه روبيو ولغة الجسد التي تظهر قدراته على العمل المكثف والإنجاز الغزير، رغم تحمله مسؤوليات أكثر من منصب فدرالي حساس، وأكثرها أهمية جمعه بين منصبي وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي للرئيس، خلفا لمايك وولتز الذي يشغر حاليا منصب السفير الأمريكي لدى مقر الأمم المتحدة في نيويورك.
روبيو، ابن والدين مهاجرين من كوبا، وزوجته مهاجرة أيضا من كولومبيا. صورتان تكتسبان الكثير من أسباب القوة الانتخابية خاصة لدى «المنحدرين من أصول لاتينية» لصالح ما قد يكون خليفة ترمب في البيت الأبيض، رغم المنافسة القوية بينه وبين نائب الرئيس، جيه دي فانس الذي ما زال في المقدمة بحسب القاعدة الأكبر والأهم في «ماغا»، عقل وروح القاعدة الشعبية التي تدعم أجندة «أمريكا أولا»، أكثر من صاحب المقولة نفسه، دونالد جيه ترمب.
يعتز روبيو، السيناتور المخضرم قبل أن يصير وزيرا للخارجية، يعتز أيما اعتزاز، بأن أمه -الكادحة العصامية- كانت «عاملة نظافة» في المنازل. لم يُجمّل ولم يخفّف من الوضع الاجتماعي-الاقتصادي، كأن يقول إنها كانت «مسؤولة تدبير منزلي»!
«جيه دي»، أيضا أسهب في الحديث في كتابه الرائع «هِلِبِلِ إلِجي» (مَرثيّة ريفية)، الحديث بامتنان وعرفان عن فضل جدته عليه. وتفاخر في خطاب قبول اختياره كنائب للرئيس من قبل ترمب، بتعافي أمه من الإدمان على الهيروين، أحد أخطر السموم، المسماة المخدرات.
حنان الأم ورضاها موضع إجماع إنساني عبر التاريخ. إجماع عابر للحضارات والأديان، والأعراق، والسياسة، والصحافة. لكن اللافت، وقد يكون الواجب الانتباه إليه هو ما وفرته تقنيات اليوم من أدوات لإعادة رسم الصورة، وإعادة تشكيل الوعي، وبالتالي الحضور والاشتباك الخاص بقضايا كبرى بحجم الأم، الأسرة، الوطن، الرسائل والسرديات السياسية والإعلامية، وما يعرف بال «براندنغ» أو العلامة الفارقة المميزة، لشخصية أو فكرة أو أجندة سياسية.
من الآخر، من المفيد أن نرى الجانب الإنساني والخاص، الخاص جدا، ممن يعنينا أمره، بصرف النظر عن موقعه في السلطة أو المجتمع. ففي نهاية المطاف كلنا نقبّل أياديهن، ونحب ونبجّل أمهات العالم كله حبا وكرامة لأجل أمهاتنا، لا حُرِمنا رضاهن أبدا.. ــ الدستور