علي ابو حبلة : مؤتمر فتح الثامن في ذكرى النكبة..تحديات المشروع الوطني في ظل التحولات الخطيرة
يأتي انعقاد المؤتمر الثامن لحركة حركة فتح في لحظة تاريخية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الذكرى الوطنية الأهم في الوعي الفلسطيني، وهي النكبة الفلسطينية، مع تصاعد غير مسبوق في المخاطر الوجودية التي تهدد القضية الفلسطينية برمتها، في ظل سياسات حكومة الائتلاف اليميني المتطرف في إسرائيل برئاسة بنيامين نتنياهو، والتي باتت تضع على أجندتها العلنية تصفية ما تبقى من فرص لأي تسوية سياسية عادلة وشاملة.
إن ذكرى النكبة هذا العام لا تأتي في سياقها الرمزي التقليدي فحسب، بل في ظل واقع سياسي وميداني يعيد إنتاج النكبة بأشكال أكثر تعقيداً وعمقاً، من خلال التهجير، والاستيطان، وتفكيك الجغرافيا الفلسطينية، واستهداف الوجود الفلسطيني في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة.
وعليه، فإن النكبة لم تعد حدثاً تاريخياً محصوراً في عام 1948، بل تحولت إلى عملية ممتدة تتجدد أدواتها، ما يجعل استحضارها في أي سياق وطني، وخاصة في مؤتمر سياسي مركزي، استحضاراً لجوهر الصراع وليس لذكراه فقط.
إن تزامن انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح مع ذكرى النكبة يحمل دلالات مركبة، يمكن قراءتها على عدة مستويات:
المستوى الرمزي: إعادة تأكيد مركزية القضية الفلسطينية بوصفها قضية شعب ما زال يعيش تداعيات النكبة بكل أبعادها.
المستوى السياسي: وضع الحركة أمام مسؤولية تاريخية لإعادة صياغة المشروع الوطني في مواجهة محاولات التصفية السياسية.
المستوى الاستراتيجي: التأكيد على أن أي مراجعة داخلية لا يمكن أن تنفصل عن طبيعة التحديات الخارجية التي تستهدف جوهر الوجود الفلسطيني.
ونشير هنا الى أن السياسات التي تنتهجها حكومة نتنياهو الحالية، والتي تقوم على توسيع الاستيطان، وشرعنة الضم الزاحف، وفرض الوقائع على الأرض، تمثل تحولاً استراتيجياً خطيراً في مسار الصراع، حيث لم يعد الحديث يدور فقط حول تعطيل حل الدولتين، بل حول تقويضه بالكامل كخيار سياسي.
هذا التحول يضع القضية الفلسطينية أمام مرحلة جديدة، تتطلب إعادة تعريف أدوات المواجهة السياسية والدبلوماسية والقانونية، بعيداً عن إدارة الأزمة إلى مواجهة جذور المشروع الاستيطاني نفسه.
إن انعقاد المؤتمر في هذه اللحظة التاريخية لا يمكن قراءته كحدث تنظيمي داخلي فحسب، بل كاختبار حقيقي لقدرة الحركة على إعادة تموضعها داخل المشروع الوطني الفلسطيني، باعتبارها إحدى ركائزه الأساسية.
وهنا يبرز السؤال الجوهري :هل يستطيع المؤتمر أن ينتقل من إدارة الواقع إلى صناعة رؤية استراتيجية جديدة تعيد الاعتبار لوحدة النظام السياسي الفلسطيني، وتواجه محاولات التفكيك الداخلي والخارجي؟
ولا يمكن فصل التحديات الداخلية التي تواجه الحالة الفلسطينية عن الضغوط الخارجية المتصاعدة. فضعف البنية السياسية الفلسطينية، والانقسام، وتآكل الثقة الشعبية، كلها عوامل تتقاطع مع مشروع إسرائيلي يسعى إلى فرض واقع سياسي وأمني جديد، يقوم على إدارة الصراع لا حله.
خاتمة: إن المؤتمر الثامن لحركة فتح، المنعقد في ظل ذكرى النكبة، لا يملك ترف التعامل مع اللحظة بوصفها محطة تنظيمية عابرة، بل هو أمام لحظة مراجعة تاريخية شاملة، تتطلب إعادة تعريف الأولويات الوطنية، وإعادة بناء المشروع السياسي الفلسطيني على أسس أكثر صلابة ووضوحاً. إنها لحظة اختبار تاريخي، لا للحركة وحدها، بل للمشروع الوطني الفلسطيني برمته، في مواجهة أخطر مرحلة تمر بها القضية منذ النكبة وحتى اليوم.