الأخبار

امل محي الدين الكردي : ميزان الذاكرة.. سردية التراب وأمانة الكلمة

امل محي الدين الكردي : ميزان الذاكرة.. سردية التراب وأمانة الكلمة
أخبارنا :  

آمل محي الدين الكردي
حين نفتح كتاب "حصاد السنين"، فإننا لا نقرأ مذكرات شخصية عابرة، بل نتصفح وجدان وطنٍ بأكمله. إن هذا الحصاد هو ثمرة أعوام حملت تجارب حية، توزعت بعدالة بين قرى الأردن وبواديه ومدنه، حاملةً معها الحكمة والخبرة ،فصارت جزءً من صلابة هويتنا.
لقد حفلت المكتبة الأردنية بمراجع لشخصيات وازنة شكّلت أعمدةً في تاريخنا المعاصر؛ وعلى رأسها مذكرات جلالة الملك المؤسس عبد الله الأول -طيب الله ثراه-، ومذكرات جلالة الملك الحسين التي نُقلت بدقة وأمانة، وصولاً إلى كتاب جلالة الملك عبد الله الثاني (فرصتنا الأخيرة) الذي وثّق فيه برؤية ثاقبة وبمكاشفة صادقة مراحل مفصلية من تاريخنا الحاضر وتحدياته. ويضاف إليها ما دونه المؤرخ الأردني محمد يونس العبادي حول سيرة ومسيرة الأمير شاكر بن زيد (1885-1934)، مستنداً إلى الوثائق التاريخية الصادقة والرسائل النادرة، بجانب الإرث الفكري والسياسي لشهداء الوطن وكباره؛ ما كتبه الشهيد وصفي التل ، ومذكرات هزاع المجالي.
وفي عمق السردية الثقافية والاجتماعية، تبرز شهادات حية ومسجلات وصور صاغتها أقلامٌ أمينة؛ بدءاً من صوت الأردن المجلجل عرار (مصطفى وهبي التل)، الذي كان بإشعاره ووثائقه صوتاً لمن لا صوت لهم، طاف الفيافي وصادق البسطاء موثقاً وجدانهم بصدقٍ فاق حدود الشعر. يرافقه في هذا الدرب العلامة روكس بن زائد العزيزي، الذي جاب القرى والبوادي مدوناً سيرة الأرض والإنسان فجمع معلمة التراث الاردني التي ما زالت الحارس الأمين لتراثنا الشعبي فكان صوت بصدقٍ قلّ نظيره، فكان صوته صدىً لذاكرة الوطن الممتدة. وصولاً إلى محبرة الاردن المؤرخ سليمان الموسى الذي أرّخ للأردن ورجالاته بدقة استثنائية جعلت من قلمِهِ صوتاً للحق والحقيقة، ويعقوب العودات (البدوي الملثم) الذي وثق نهضة الفكر والأدب بروحٍ وطنيةٍ وثابة.
كما تكتمل اللوحة بمذكرات رصينة قدمت شهادات حية بأمانة؛ كمذكرات عودة القسوس التي وثقت بدايات الدولة وقوانينها، ومذكرات حمد الفرحان في قوافل التنمية والبناء، وما دونه الفريق الركن علي الحياري بمهنية عسكرية عالية، وما أورده معن أبو نوار من توثيق استند فيه إلى الوثائق البريطانية وأبرز أحداثاً هامة تخص مسيرة الدولة، بجانب مذكرات رجالات دولة كبار أمثال مضر بدران، ونذير رشيد، وفايز الطراونة وغيرهم. هذه الكتابات تظل مناراتٍ تضيء زوايا السردية الوطنية، وتجسد مراحل مفصلية من عمر الدولة.
ولكن، وبالقدر الذي نعتز فيه بهذه المراجع الرصينة المعتمدة على الوثيقة والصدق، نجد في المقابل أن هناك من تناولوا سيرتهم بأسلوبٍ غابت عنه الشفافية والدقة المطلوبة، حيث حلّت المبالغة وتصوير الذات مكان الحقائق المجردة. إن هؤلاء ربما التفتوا إلى بريق الظهور أو السعي نحو مكاسب آنية، متناسين أن أمانة التاريخ تفرض علينا أن ننصف الواقع كما كان، لا كما نتمنى أن يظهر للناس.
إننا ككتاب وباحثين، قد نشعر بـ "حشرجة الأنين" حين نرى من يتصدرون المشهد بالروايات المصطنعة، بينما يبقى حراس الذاكرة الصادقون في الظل. وهنا، لا بد أن نتساءل بتجرد: أين هؤلاء من تلك القامات التي ذكرناها؟ وأين هي سردية الوطن والتراب والإنسان في نتاجهم المعاصر؟ إن ما نلمسه اليوم من نقصٍ في السردية الوطنية يكمن في ثلاث فجواتٍ عميقة: أولها غياب "سردية الإنسان" لصالح التقارير المؤسسية الجامدة، وثانيها الانقطاع المعرفي الذي جعل الكتابة "مكتبية" تفتقر لروح الميدان التي عاشها العزيزي وعرار، وثالثها اختزال الهوية في سرد الأحداث الجافة دون الغوص في القيم والتحولات الاجتماعية التي صنعت وجداننا.
إن السردية الأردنية الحقيقية هي ملكٌ لكل أردني زرع وبنى بصمت في قريته وباديته، دون أن ينتظر منصةً أو تكريماً. فلا أحد يملك الحق في اختزال هذا الوطن العظيم في رواية أحادية، فالتاريخ الصادق ينصف العطاء الحقيقي الممتد من أصغر قرية إلى أكبر مدينة. إن حصادنا الحقيقي هو تلك السردية العادلة التي ترفض الزيف وتُبقي على جوهر الانتماء. فالحاضر القوي هو الذي يهضم الماضي بوفاء، ليبقى الأردن عصياً على التزييف، ومزهراً دائماً بحصاد سنين أبنائه المخلصين الذين عشقوا ترابه، وكتبوا تاريخه بمداد الصدق.

مواضيع قد تهمك