د. هبة ابو عيادة : جيلٌ في مهبّ السيولة الرقمية: ذوبان التربية أمام الشاشة
لم يعد الحديث عن المراهقة اليوم مجرد توصيف لمرحلة عمرية عابرة، بل أصبح حديثًا عن تحوّل عميق في بنية الوعي الإنساني داخل البيت والمدرسة والمجتمع. فالعالم الذي كان يُدار سابقًا عبر حدود واضحة من الرقابة الاجتماعية والتربوية، بات اليوم مفتوحًا على فضاء رقمي بلا أسوار، تتدفق فيه الصور والمقاطع والأفكار بلا فلترة، لتعيد تشكيل وعي الجيل الناشئ في لحظات سريعة وعميقة في آن واحد.
عزيزي القارئ، إن ما يُسمّى بالسيولة الرقمية لم يعد مفهومًا نظريًا؛ بل هو واقع يومي يعيشه الأبناء على مدار الساعة. كل شيء يتحرك بسرعة، كل شيء قابل للاستهلاك الفوري، وكل فكرة يمكن أن تُستبدل بأخرى في لحظة تمرير إصبع على شاشة صغيرة. في هذا السياق، تتراجع سلطة التدرّج التربوي، الذي كان يقوم على الصبر والتكرار والتوجيه التدريجي، لصالح تأثير لحظي قوي، لكنه متقلب وعابر. والمشكلة لا تكمن في التكنولوجيا الذكية في حد ذاتها، بل في غياب الضبط الواعي لاستخدامها، وفي دخولها غير المشروط إلى غرف التربية داخل البيوت. لقد تحولت الشاشة إلى مربٍ بديل يرافق الطفل والمراهق لساعات طويلة، يقدّم له قيمًا جاهزة، وسلوكيات نمطية، وصورًا للعالم قد تكون بعيدة كل البعد عن السياق الأخلاقي والأسري الذي ينشأ فيه. وهنا تبدأ أولى لحظات التباين بين ما يُقال في البيت وما يُمارس على الشاشة.
في مرحلة المراهقة تحديدًا، حيث تشكل الهوية والانتماء والقيم، يصبح التأثير الرقمي مضاعفًا. فالمراهق بطبيعته يبحث عن القبول والانتماء، ويجد في الفضاء الرقمي مساحة واسعة لهذا البحث، لكنها مساحة غير منضبطة، تفتح الباب أمام "المؤثرين” بمختلف مستوياتهم، حيث يختلط الجاد بالتافه، والعلمي بالسطحي، والقيمي بالعبثي. وهنا تتشكل خطورة النموذج: من يُقنع المراهق؟ ومن يوجه بوصلته؟. ولقد أفرز هذا الواقع نمطًا جديدًا من القدوة، لم يعد مرتبطًا بالمعلم أو الوالد أو صاحب الخبرة، بل أصبح مرتبطًا بعدد المشاهدات والمتابعين. وهذا التحول الخطير جعل بعض المراهقين يعيدون تعريف النجاح والقبول الاجتماعي بناءً على معايير رقمية بحتة، لا علاقة لها بالقيم أو الأخلاق أو التحصيل العلمي. ومع هذا الانكشاف المستمر، بدأت بعض السلوكيات التي كانت تُعدّ مرفوضة اجتماعيًا تتسلل إلى البيئة المدرسية، بشكل مباشر أو غير مباشر. فالتدخين الإلكتروني، والاستهلاك المفرط للهواتف، واستباحة الحرام وتبني أنماط سلوك مستوردة من منصات التواصل، أصبحت ظواهر تحتاج إلى وقفة جادة لا تقتصر على المنع، بل تمتد إلى الفهم والتوجيه وإعادة بناء الوعي.
تقف الأسرة اليوم أمام تحدٍّ عظيمٍ مستجدٍ غير مسبوق. فهي لم تعد تتحكم فقط في وقت خروج الأبناء ودخولهم، بل باتت في مواجهة محتوى مفتوح لا يمكن حصره أو مراقبته بشكل كامل. وهذا يفرض انتقالًا في دورها من الرقابة المباشرة إلى بناء المناعة الفكرية والقيمية لدى الأبناء، بحيث يصبح لديهم القدرة على التمييز لا مجرد الامتثال. وأما المدرسة، فلم تعد مجرد مؤسسة تعليمية تقليدية، بل أصبحت خط الدفاع الثاني في مواجهة هذا الانفلات. لكنها هي الأخرى بحاجة إلى تطوير أدواتها، فلا يكفي أن تُدرّس المعرفة، بل يجب أن تُعيد بناء معنى المسؤولية الرقمية، وأن تدمج التربية الإعلامية ضمن منظومتها التربوية. وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال الأهم: كيف نحمي جيلًا يعيش في عالم مفتوح بلا حدود؟ الإجابة لا تكمن في المنع الكامل، فهذا غير واقعي، ولا في الاستسلام الكامل، فهذا خطير، بل في بناء توازن تربوي جديد، يجمع بين الوعي والرقابة الذاتية، بين الحرية والمسؤولية، وبين الانفتاح والقيم.
أختم مقالي قارئنا الكريم بأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يستخدم الأبناء الهواتف، بل أن تتحول هذه الهواتف إلى المصدر الوحيد لتشكيل وعيهم. وعندما تذوب التربية أمام الشاشة، لا نخسر مجرد سلوكيات، بل نخسر بوصلة الاتجاه، ونترك جيلاً كاملًا في مهبّ سيولة لا ترحم، حيث كل شيء يتغير بسرعة، إلا الحاجة إلى تربية عميقة تعيد للإنسان اتزانه ومعناه.