الأخبار

هل يكفي "اللا اتفاق" لإنهاء الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران؟

هل يكفي اللا اتفاق لإنهاء الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران؟
أخبارنا :  

إيمان الفارس
عمان - هل تموت الحرب بهدوء دون اتفاق يعلن نهايتها؟ في المشهد الإيراني الأميركي الإسرائيلي، لا يبدو الجواب بسيطا، بل يتشكل داخل منطقة رمادية، تتداخل فيها الضغوط العسكرية مع الحسابات السياسية والاقتصادية، لتنتج نمطا من الصراع لا يحسم ولا ينتهي، بل يعاد تشكيله باستمرار.
ووفق مؤشرات خبراء في الشأن السياسي والعسكري، أكدوا في تصريحات لـ"الغد"، أن الحروب الحديثة، لم تعد تسير وفق القاعدة التقليدية التي تبدأ بقرار وتنتهي باتفاق، بل تتجه نحو التآكل التدريجي، بحيث ينخفض زخم العمليات دون إطفاء جذوة الصراع.
في المقابل، تشير تحليلات الخبراء، إلى أن هذا التلاشي ليس مطلقا، فأدوات الصراع ما تزال فاعلة؛ والحظر الاقتصادي البحري، على سبيل المثال، لا يمثل حالة جمود، بل شكلا مستمرا من أشكال الحرب، يبقي الضغط قائما ويدفع نحو تنازلات محتملة.
عليه، فإن الحرب لا تختفي، بل تغير شكلها، من مواجهة مباشرة إلى صراع منخفض الحدة، لكنه مستمر التأثير، وبالتالي يرون بأن الإجابة على التساؤل الرئيس، لا تكمن في نعم أو لا، بل في صيغة أكثر تعقيدا؛ وهي أن الحرب لا تموت فجأة، ولا تنتهي دائما باتفاق، لكنها قد تتآكل ببطء تحت ضغط السياسة والاقتصاد والقيود المؤسسية، لتتحول إلى صراع منخفض الحدة، مستمر بلا إعلان، ومنته فعليا دون أن يقال إنه انتهى.
إنهاء حالة الاشتباك العسكري
وهذا التعقيد في المشهد، يعيد طرح سؤال ما إذا كانت نهاية الحرب قد تأتي عبر التلاشي لا الحسم، إذ أكد الخبير العسكري والإستراتيجي د. نضال أبو زيد، أن هناك ملامح نمط غير تقليدي يبرز لإنهاء الصراعات، يقوم على تآكلها التدريجي، بدل حسمها عبر اتفاق سياسي واضح.
وفي ظل الاستعصاء الذي تشهده هذه الحرب، سواء على المسار الدبلوماسي أو العسكري، يشير أبو زيد إلى أن كسر حالة الجمود، بات ضرورة، ما يفسر التحركات الميدانية المستجدة. من هنا تأتي عملية الحرية البحرية بقيادة الولايات المتحدة للسيطرة أو على أقل تقدير لتأمين ممرات الملاحة للسفن القادمة والخارجة من مضيق هرمز، ضمن محاولة لتجريد إيران من إحدى أهم أوراقها الاستراتيجية، وهي ورقة المضيق، وفقه.
ويؤكد أن هذه التحركات تعكس دخول الصراع في مرحلة توقيتات فارقة، لعل أبرزها منتصف الشهر الحالي، بالتزامن مع الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب للصين، والتي تشير المعطيات الأميركية إلى أنها لن تؤجل. مبينا أن ترامب لن يذهب إلى الصين وهو في وضع ضعيف، بل يسعى لحسم أو على الأقل، إنهاء حالة الاشتباك العسكري مع إيران قبل زيارته، وبناء على ذلك، يرجح بأن تشهد الفترة التي تسبق منتصف الشهر الحالي، تطورات حاسمة في هذا الملف، سواء عبر مسار دبلوماسي أو عبر تحرك عسكري محدود، يعيد رسم قواعد الاشتباك.
وبرغم ذلك، يوضح أن الخيار العسكري حتى الآن، ليس أولوية لدى الولايات المتحدة التي تفضل الدفع نحو مسار دبلوماسي، لكن بشروط تتوافق مع رؤيتها ومصالحها، أي عبر فرض تنازلات على الجانب الإيراني. في المقابل، يظهر تباين في الموقف الإيراني، إذ يواصل الحرس الثوري التمسك بخيارات أكثر تشددا، تميل للحل العسكري، في حين يحاول صناع القرار السياسي، تحقيق نوع من التوازن بين المسارين العسكري والدبلوماسي.
أما بشأن دور الكونغرس الأميركي، فيشير أبو زيد إلى عدم منحه تفويضا حول توسيع العملية العسكرية، ما يعكس حالة تردد أو ضبط سياسي لإيقاع التصعيد. لافتا لدقة استخدام ترامب للمصطلحات، إذ أعلن انتهاء الأعمال القتالية تجاه إيران، دون إعلان لانتهاء الحرب، ما يعني أن ما جرى هو إنهاء دستوري للأعمال القتالية وليس إنهاء عسكريا للصراع.
ويجدد أبو زيد تأكيده، أن هذا النمط من إدارة الصراع، يعزز فرضية أن الحروب قد لا تنتهي دائما باتفاقات تقليدية، بل قد تتلاشى تدريجيا بخفض زخم العمليات العسكرية، واستمرارها بوتيرة أقل حدة، نتيجة توازنات سياسية داخلية وضغوط دولية، ودون وجود إعلان رسمي لنهايتها.
وفي هذا السياق، تبدو حالة "اللا اتفاق" ورقة غير تقليدية، لكنها قد تكون كافية لإنهاء الحرب فعليا بإفراغها من مضمونها القتالي، وتحويلها لصراع منخفض الحدة.
موت تدريجي بلا مفاوضات
وفي ظل غياب الحسم، تبرز فرضية أن الحرب قد تدخل مرحلة موت تدريجي دون مفاوضات، وفق رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات، الذي بين أن هذا السيناريو ليس مرجحا بالمعنى التقليدي لفكرة تلاشي الحروب، مؤكدا أن الصراع لا يستمر في حالة تعويم أو جمود فارغ، بل يبقى محكوما بأدوات ضغط وصراع فعالة، تجعله قائما بأشكال مختلفة.
ويقول شنيكات، إن الحروب قد تحتاج لوقت لتجري تسويتها، لكنها لا تستمر لمجرد الاستمرار، مشيرا إلى أن قرار الحظر الاقتصادي البحري الذي تتخذه الولايات المتحدة ضد إيران، يعد عملا حربيا، ما يعني أن الصراع قائم حتى في غياب المواجهة العسكرية المباشرة، لذا فإن استمرار هذا الحظر، سيناريو محتمل لإدارة الصراع، بإبقائه تحت الضغط لحين إجبار إيران على الاستجابة للمطالب الأميركية، بخاصة مع إمكانية تجديد الحظر، ومحاولة توسيع نطاقه عبر إقناع قوى دولية كالصين وروسيا بالانخراط فيه.
وبشأن الخيار العسكري، يضيف أنه ما يزال مطروحا، لكنه مقيد بعوامل داخلية، أبرزها موقف الرأي العام الأميركي، ودور الكونغرس الذي قد لا يمنح الصلاحيات الكافية، لتوسيع العمليات العسكرية أو لا يمارس دوره بالقدر الذي يسمح بالتصعيد، إضافة للمخاطر المرتفعة، المرتبطة بعدم تحقيق الأهداف، والتكلفة العالية مقارنة بخيار الحصار البحري. محذرا من احتمالية الانزلاق لحرب استنزاف، تتطلب تدخلا بريا واسع النطاق، ما يفرض مزيدا من القيود على قرار الحرب.
ويبين أن الولايات المتحدة، تعمل بالتوازي مع الكيان الصهيوني على تحديث بنك الأهداف داخل إيران، ما يعني أن خيار الضربات العسكرية، يبقى جاهزا في حال اتخاذ قرار التصعيد. مؤكدا أن الحديث عن تعويم الحرب أو موتها تدريجيا، لا يستقيم في ظل استمرار الحظر البحري، فهذا الحظر يمثل شكلا مستمرا من أشكال الصراع لا حالة جمود.
ويلفت شنيكات، إلى أن الدول الأوروبية تواجه ضغوطا نتيجة تداعيات الأزمة، بخاصة ما يتعلق بحرية الملاحة في مضيق هرمز وارتفاع الأسعار، ما يدفعها للضغط باتجاه إعادة فتح الممرات البحرية وعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الحرب. مؤكدا أن الأولوية الأوروبية لا تقتصر على إنهاء الحرب بحد ذاته، بل تتجاوز ذلك إلى استعادة الاستقرار الاقتصادي وضمان تدفق التجارة.
وبشأن فكرة اللا اتفاق كمسار لإنهاء الحرب، يرفض شنيكات اعتبارها ورقة قابلة لإنهاء الصراع بينما يستمر الحصار البحري، موضحا بأنه ما دامت هذه الإجراءات مستمرة، فإن المنطقة تبقى ضمن إطار أعمال الحرب. موضحا بأنه في حال غياب الحظر البحري، واستمرار الوضع القائم دون تصعيد، كان يمكن الحديث عن حالة تعويم أو تآكل تدريجي، لكن الواقع الحالي يشير لاستمرار الضغوط المكثفة على إيران، بالتوازي مع تأثيرات واسعة على الاقتصاد العالمي، نتيجة إغلاق مضيق هرمز.
ويخلص شنيكات إلى أن المسار الأقرب، يتمثل إما بتسوية تفرضها هذه الضغوط، أو بتجديد التصعيد العسكري، أو باستمرار الحظر البحري كأداة ضغط طويلة الأمد، بما يدفع الأطراف في نهاية المطاف لتقديم تنازلات. وبذلك، فإن فكرة انتهاء الحرب دون اتفاق محدودة هنا، إذ أن أدوات الصراع القائمة تمنع تحولها إلى حالة موت تدريجي، وتبقيها في دائرة الفعل والتأثير حتى الوصول لصيغة حسم أو تسوية.
تراجع المواجهة دون اختفاء أسبابها
الخبير الأمني والاستراتيجي د. بشير الدعجة، يؤكد أنه في ظل التحولات التي طرأت على طبيعة الصراعات الدولية، لم يعد إنهاء الحروب مرتبطا بالضرورة باتفاقات رسمية أو مفاوضات مباشرة، بل باتت بعض النزاعات تميل إلى أنماط أكثر تعقيدا، تتراجع فيها حدة المواجهة دون اختفاء أسبابها.
ومن هنا، يبرز التساؤل حول ما إذا كانت الحروب، قد تموت تدريجيا دون إعلان نهايتها، فما بين إيران من جهة، والولايات المتحدة والكيان من جهة أخرى، لا يتحرك ضمن منطق الحرب الكلاسيكية التي تبدأ بقرار وتنتهي باتفاق، بل داخل مساحة رمادية، ممتدة تعرف في أدبيات العلاقات الدولية بإدارة الصراع، بحيث لا يكون الهدف، هو الحسم النهائي، بقدر ما هو ضبط لسقف الاشتباك ومنع الانفجار الشامل.
ويقول الدعجة، إن هذا النمط من الصراعات، يقوم على الردع المتبادل أكثر مما يتجه نحو الإنهاء، ما يجعله قابلا للاستمرار لسنوات طويلة دون معاهدة سلام أو إعلان نهاية، كما في نماذج تاريخية ممتدة مثل الحرب الباردة التي استمرت قرابة 45 عاما، دون مواجهة مباشرة شاملة.
ويضيف أن الولايات المتحدة تتحرك ضمن معادلة مركبة، تجمع بين امتلاك قوة عسكرية ضخمة ووجود قيود ذاتية، تحد من استخدامها، فميزانية الدفاع التي تتجاوز 800 مليار دولار سنويا، لا تعني قدرة مفتوحة على خوض حرب شاملة، بخاصة بعد التجارب المكلفة في العراق وأفغانستان التي تجاوزت كلفتها التراكمية بين 2 و2.5 تريليون دولار وفق تقديرات أميركية رسمية وبحثية.
وبين الدعجة، أن هذه الكلفة لم تكن مالية فقط، بل انعكست سياسيا ونفسيا على الداخل الأميركي، إذ تراجع قبول الرأي العام للحروب الخارجية الطويلة، وانخفض الدعم الشعبي لأي تدخل عسكري واسع في المنطقة لمستويات متدنية غالبا. مضيفا أنه بناء على ذلك، لم تعد واشنطن تسعى لحروب حاسمة بقدر ما تركز على إدارة كلفة الصراع، عبر ضربات محدودة دقيقة، وضغوط اقتصادية، وعقوبات، وحروب استخباراتية وسيبرانية، ما ينتج نمطا من القوة لا ينهي الحرب، بل يمنع توسعها ويحافظ عليها ضمن حدود يمكن التحكم بها.
ويعزز هذا التوجه دور الكونغرس الأميركي كعامل كبح مؤسسي، إذ إن التجارب السابقة خلقت حساسية متزايدة تجاه منح تفويضات مفتوحة للحرب، ما يعني أن الكونغرس قد لا يمنح الصلاحيات للتصعيد، أو لا يمارسها بالشكل الذي يسمح بحرب واسعة، ما يجعل القرار العسكري أكثر تعقيدا وخضوعا لتوازنات داخلية بين الإدارة والرأي العام والمؤسسة التشريعية، بحسبه.
أما الكيان، فبرغم تبنيها نظريا عقيدة الحسم السريع، لكنها تواجه واقعا إقليميا معقدا، يمنع تحقيق هذا الحسم، في ظل تعدد الجبهات المرتبطة بإيران عبر شبكة نفوذ، تمتد من لبنان إلى العراق واليمن، وفق الدعجة.
وبرغم تفوقها الاستخباراتي والجوي، فإن وجود قدرات صاروخية كبيرة لدى أطراف إقليمية، كامتلاك حزب الله عشرات الآلاف من الصواريخ وفق تقديرات غربية، يفرض قيودا إضافية على أي مواجهة شاملة، ويدفعها نحو إستراتيجية، تقوم على إدارة التفوق ومنع تراكم التهديدات بدلا من إنهاء الخصم.
في المقابل، يوضح أن إيران تعتمد على نموذج الردع غير المتماثل، عبر تطوير قدرات صاروخية يعتقد بأنها تتجاوز آلاف الصواريخ الباليستية، إلى جانب تنامي دور الطائرات المسيرة، فضلا عن شبكة من الفاعلين غير الدولتيين في عدة ساحات إقليمية، ما يرفع كلفة استهدافها، ويجعل أي تصعيد عرضة للتوسع عبر أكثر من جبهة في وقت واحد.
ويعتبر الدعجة أن العامل الاقتصادي، يظهر كقيد رئيس على اندلاع حرب شاملة، إذ يمثل مضيق هرمز نقطة اختناق استراتيجية يمر عبره بين 17 و20 مليون برميل نفط يوميا، أي نحو خمس الإمدادات العالمية المنقولة بحرا، ما يعني أن أي اضطراب فيه، قد يؤدي لارتفاعات حادة في أسعار النفط، تنعكس مباشرة على التضخم العالمي وأسواق الطاقة. هذا الترابط يجعل الصراع في جوهره ذا تأثير عالمي، ويدفع القوى الكبرى لاحتواء التصعيد بدلا من دفعه نحو الانفجار.
كما يشير إلى أن أوروبا تلعب دور لاعب الاستقرار أكثر من كونها لاعب قوة، نظرا لحساسية اقتصادها لأسعار الطاقة، إذ يؤدي أي ارتفاع كبير في الأسعار لضغوط مباشرة على التضخم والاستقرار الداخلي، ما يدفع العواصم الأوروبية لتفضيل المسارات الدبلوماسية والعقوبات والاحتواء بدلا من الانخراط العسكري.
ويضيف أن كل هذه العوامل تسهم بتشكيل نمط صراع قائم على إدارة التصعيد، بحيث تتحرك الأطراف ضمن حدود محسوبة، الولايات المتحدة عبر الضربات المحدودة، والكيان عبر عمليات نوعية، وإيران عبر الرد غير المباشر، دون الوصول إلى لحظة كسر شاملة للقواعد. هذا النمط لا ينتج سلاما، لكنه في الوقت ذاته، يمنع اندلاع حرب كبرى، ويكرس حالة لا حرب ولا سلم.
ويشير الدعجة، إلى أن هذا النوع من الصراعات لا ينتهي بالضرورة عبر اتفاق شامل، بل قد يتوقف تدريجيا عندما تصبح كلفة الاستنزاف أعلى من العائد السياسي والعسكري لكل الأطراف، وعندها يتراجع التصعيد دون قرار حاسم أو مؤشر واضح على النهاية. وبذلك، فاللا اتفاق يمثل نمطا غير تقليدي لإنهاء الحروب، ليس عبر حسم أو تسوية، بل عبر إفراغ الصراع من زخمه تدريجيا، ليبقى قائما في مستوى منخفض دون أن يتطور لمواجهة شاملة، أو ينتهي باتفاق رسمي.

ــ الغد

مواضيع قد تهمك