شهداء جدد في غزة بنيران الاحتلال .. : حدود السيطرة الإسرائيلية تلاصق الطريق بين الوسط والجنوب
بينما تتعمد سلطات الاحتلال تدمير قطاع غزة بيئيًا وصحيًا، من خلال نشر الأمراض المعدية والخطيرة، تواصل هجماتها العسكرية التي تخالف اتفاق وقف إطلاق النار، في ضوء توسيع نطاق "الخط الأصفر”، ضمن الخطط الرامية إلى منع أي جهود إغاثية لقطاع غزة، واستمرار جعله منطقة غير صالحة للسكن.
على الصعيد الميداني، أعلنت مصادر طبية استشهاد المواطن موسى الأبيض، 42 عامًا، برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي، حين استهدفت منطقة العطاطرة شمال القطاع.
وبالإضافة إلى ذلك، قصفت المدفعية الإسرائيلية مناطق أخرى تقع شرق مدينة غزة، كما أطلقت نارًا كثيفًا على المناطق الشرقية لمدينة خان يونس جنوب القطاع، التي نالت مناطقها الواقعة ضمن نطاق "الخط الأصفر” قصفًا مدفعيًا متقطعًا، وسط تحليق مكثف للطيران الاستطلاعي والحربي.
رعب "الخط الأصفر”
وحسب أحد سائقي المركبات التي تنقل مواطنين من وسط القطاع إلى مدينة خان يونس جنوبًا، فإن جيش الاحتلال بات يضع مكعبات إسمنتية ذات اللون الأصفر، تشير إلى حدود "الخط الأصفر”، بجانب الطريق الذي تسلكه العربات والمواطنون، وبمسافة لا تبعد عن عجلات السيارة إلا أقل من متر واحد.
وقال السائق، الذي فضّل ذكر اسمه الأول فقط، محمد، لـ”القدس العربي”، إن هذه المكعبات لم تكن موجودة في بدايات اتفاق وقف إطلاق النار، وإنه كغيره ممن يسلكون هذا الطريق بشكل يومي، تفاجأوا بوجودها بعد أن وضعتها آليات الاحتلال ليلًا.
وأكد هذا السائق، الشاهد على الأمر، أن الركاب الذين يضطرون إلى التنقل يصابون بالذعر عند المرور من تلك المناطق التي تلاصق حدود هذا الخط، وأنه في أوقات كثيرة تحدث عمليات إطلاق نار كثيف على مقربة من تلك المنطقة. وقال إنه في حال توسعت الهجمات كما حدث في مناطق أخرى خارج حدود "الخط الأصفر”، فإن الأمر سيطال المارة وسيوقع ضحايا جددًا.
وقال: "الخوف يلاحق سكان غزة في كل مكان، في مناطق النزوح وقرب الخط الأصفر، وفي الأكل والشرب”، وأضاف: "الحياة في غزة تسير من سيئ إلى أسوأ”. وقد تحدث هذا الرجل إلى "القدس العربي” بعد وصوله إلى مخيم النصيرات وسط القطاع، قادمًا من مدينة خان يونس جنوبًا، في رحلة استغرقت نحو ساعة، قطعت فيها السيارة التي تجر عربة يجلس على ظهرها الركاب أيضًا طرقًا وعرة دمرتها قوات الاحتلال خلال فترة الحرب، رغم أن الرحلة في الفترة السابقة كانت تحتاج إلى نحو ربع ساعة.
وفي تلك المناطق، يلاحظ المارة والسكان القاطنون على مقربة من تلك الحدود تحركات عسكرية على مدار اليوم، فيما كُشف النقاب مؤخرًا عن قيام قوات الاحتلال بإنشاء ثكنات عسكرية جديدة في عدة مناطق على حدود هذا الخط.
حدود السيطرة الإسرائيلية
وكانت تقارير عبرية قد أكدت أن قوات الاحتلال وسعت نطاق "الخط الأصفر”، الذي تسيطر بموجبه على طول الحدود الشرقية والشمالية والجنوبية لقطاع غزة، من 53% إلى 59%، ما يعني أن سكان قطاع غزة، البالغ عددهم أكثر من مليوني مواطن، يقطنون فيما تبقى من مناطق ضيقة في القطاع الساحلي، الذي هدم الاحتلال ودمر ثلثي مبانيه ومؤسساته وبناه التحتية خلال فترة الحرب.
وقد منعت قوات الاحتلال، رغم اتفاق التهدئة، سكان تلك المناطق من العودة للسكن فيها، كما أجبرت مواطنين آخرين على النزوح من مناطق سكنهم، في كل مرة وسعت فيها نطاق الخط، فيما اضطرت عائلات أخرى إلى النزوح لقرب سكنها من تلك الحدود التي تتعمد قوات الاحتلال إطلاق النار بكثافة عليها.
وبسبب تكدس السكان في المناطق الضيقة في المنطقة الغربية من القطاع، التي تفتقر إلى مجمل الخدمات والمتطلبات الإنسانية، حيث يُجبر نصفهم على السكن في خيام النزوح ومراكز الإيواء، تتفاقم الأزمة البيئية والصحية، لعدم سماح إسرائيل بنقل النفايات إلى المكبات الرئيسية، في وقت بدأت فيه السلطات المحلية ضخ المياه العادمة إلى البحر دون معالجة، في عملية من شأنها أن تفاقم الأزمات الطبية أكثر مما هي عليه.
وفي هذا السياق، أعرب "مركز غزة لحقوق الإنسان” عن بالغ قلقه إزاء التدهور البيئي والصحي غير المسبوق في القطاع، بعدما قال إن الوضع وصل إلى "مستويات كارثية” تهدد حياة مئات الآلاف من النازحين والمواطنين، جراء تداعيات العدوان العسكري والحصار الإسرائيلي المتواصل.
حصار وأزمات صحية
وأوضح أن فريقه الميداني رصد تفشيًا واسعًا للقوارض، الجرذان والفئران، والحشرات الضارة، بالتزامن مع استمرار سياسة الحصار الخانق ومنع دخول المستلزمات الأساسية لمكافحة هذه الآفات. وأكد أن أزمة النفايات في غزة باتت من أشد الأزمات البيئية حدة في تاريخ المنطقة المعاصر، إذ يتراكم 900 ألف طن من النفايات منذ تشرين الأول / أكتوبر 2023 حتى كانون الأول / ديسمبر 2025، وفق تقرير دولي، فيما يوجد أكثر من 340 ألف طن من النفايات قرب مناطق إيواء النازحين، في وقت يقدر "برنامج الأمم المتحدة للبيئة” وجود 40 مليون طن من الركام الناتج عن تدمير المباني في القطاع.
ومنذ اليوم الأول لحرب الإبادة، تمنع إسرائيل عمليات نقل النفايات إلى المكبات الرسمية الموجودة داخل نطاق المنطقة الصفراء، كما دمرت أو صادرت أكثر من 100 آلية من آليات جمع النفايات، فيما يحتاج ما تبقى منها إلى صيانة أو زيوت ووقود غير متوفر.
وشدد المركز الحقوقي على أن هذا الحجم الهائل من النفايات المتراكمة في محيط خيام النازحين ومراكز الإيواء لا يمثل مشكلة بصرية أو مصدر روائح فحسب، بل هو "وقود لكارثة وبائية وشيكة، ويشكّل منظومة متكاملة لتوليد الأمراض الجلدية والمعوية والجهازية”، حيث وثق المركز شهادات مواطنين يعيشون في مخيمات النازحين يصفون كيف باتت القوارض تشكّل خطرًا يوميًا حقيقيًا على أرواحهم وما تبقى من غذائهم.
ويقول أكرم أحمد من خان يونس في شهادته للمركز الحقوقي: "الجرذان تقفز فوق الأطفال في الليل وتُرعبهم”، مشيرًا إلى أن الجرذان تأكل الطعام القليل الذي تملكه الأسر وتتلف الملابس. ويضيف: "نعيش تحت سقف متهالك ولا مفر من هذا الغزو”.
أما عائشة حميد، التي تنزح في منطقة مواصي خان يونس، فتقول: "في كل المخيمات نعاني من حشرات لاسعة، وخاصة البراغيث. أطفالنا يتألمون من الحكة والوخز الشديدين. حاولنا علاجها بطرق بسيطة، لكن الأدوية الصحيحة غير متوفرة في المركز الصحي”.
هذا وقد حذر الدكتور بسام زقوت، مدير الإغاثة الطبية في غزة، من أن "داء الليبتوسبيرا”، الذي ينتقل عبر بول الجرذان، "بدأ يتحول من مخاوف نظرية إلى واقع ملموس في المخيمات”، مشيرًا إلى أن دراسة ميدانية أظهرت أن تدمير البنية التحتية للصرف الصحي وتراكم المخلفات والركام خلق بيئة مثالية لتكاثر الذباب والبعوض والبراغيث والفئران، في ظل غياب تام لأدوات مكافحة الآفات.
ولا تزال سلطات الاحتلال، بموجب إجراءات الحصار، تمنع دخول المبيدات والسموم اللازمة لمكافحة القوارض بذريعة "الاستخدام المزدوج”. ويؤكد "مركز غزة لحقوق الإنسان” أن ذلك هو "توظيف ممنهج للوباء البيئي وأداة من أدوات الضغط على المدنيين”، وطالب المجتمع الدولي بالضغط الفوري لفتح المعابر وإدخال المعدات الثقيلة لجمع النفايات ونقلها.
ولم تكن هذه المشكلة البيئية الوحيدة التي تهدد بانتشار الأمراض المعدية والخطيرة في غزة، بعدما اضطرت بلديات في قطاع غزة، مؤخرًا، إلى وقف العمل في بعض محطات ضخ الصرف الصحي، نتيجة النفاد التام للزيوت وقطع الغيار الأساسية اللازمة لأعمال الصيانة الدورية لهذه المحطات، وحذرت من "كارثة صحية وبيئية”، ومن انتشار الأمراض والأوبئة وتلوث البيئة البحرية والتربة.
وفي هذا السياق، ذكر موقع
"الأمم المتحدة” الإعلامي أن أربعًا من كل خمس محطات لضخ مياه الصرف الصحي
توقفت عن العمل، وأنه نتيجة لذلك، تتدفق يوميًا نحو 40 ألف متر مكعب من
مياه الصرف الصحي غير المعالجة إلى البحر وإلى المناطق التي تقيم فيها
العائلات. ــ القدس العربيببء