امل محي الدين الكردي : غرباء في الوطن.. هل لا نزال نعيش غرباء كما في الماضي؟
بقلم: أمل محي الدين الكردي
حين تدور بنا الأيام، نجد أنفسنا نعود لذات الأسئلة التي أرقت من قبلنا، وكأن الوجع الوطني يتوارثه المخلصون جيلاً بعد جيل. هذه التساؤلات ليست مجرد حبر على ورق، بل هي صرخة نجد صداها العميق حين نفتح أرشيف جريدة "الصحفي" الصادر في تموز عام 1979، لنقرأ ما كتبه القامة الوطنية ضيف الله الحمود تحت عنوان "غرباء.. ولكن في بلادهم!".
لقد وضع الحمود في ذلك الوقت يده على الجرح؛ متحدثاً عن غربة المبدأ والروح وسط ضجيج الانتهازية. ومن هنا، نعيد قراءة الواقع اليوم لنكتشف أن "الغربة" التي وصفها لم تكن عابرة، بل كانت نبوءة لما نعيشه الآن.
ولكن، أين نحن اليوم من كل هذا؟ وأين هو الإنصاف لمن أفنوا أعمارهم في صون الكلمة وخدمة التراث؟ إننا نستنكر هذا الواقع المرير الذي يرى فيه المبدع وصاحب القلم الحر نفسه وحيداً في الساحة، يبدع ويؤرخ ويحلل، بينما لا يجد من يهتم أو يلقي بالاً لهذا العطاء. هل يعقل أن يُترك أصحاب الفكر والباحثون المخلصون يعانون غربة التهميش، بينما تُفتح الأبواب والمنابر لمن لا يملكون سوى لغة النفاق و"مسح الجوخ"؟ نعم، نحن اليوم غرباء في وطننا حين يصبح "الإبداع" تهمة تُعزل صاحبها، وحين يتحول القلم إلى رفيق للوحدة بدلاً من أن يكون منارةً يُهتدى بها. إنه استنكار يملأ الصدور: إلى متى يظل المبدع غريباً في داره، والانتهازي سيداً في كل محفل؟
إن ما نعيشه اليوم ليس إلا امتداداً لتلك الغربة التي رصدها الحمود، وكأن الزمان يعيد إنتاج نفسه بصورٍ شتى. إننا في هذه اللحظة الفاصلة بين "زمن التأسيس" و"زمن التهميش"، نسجل بأن الصراع بين الأصالة والادعاء هو قدرنا. ما نعيشه اليوم يثبت أننا، في الفترتين القديمة والجديدة، لا نزال نحمل ذات الشعلة وذات الألم.
نعود لنردد مع الحمود: "طوبى للغرباء"؛ طوبى لمن لم يبع قلمه ولم يداهن في مبادئه. عزاؤنا الوحيد أن التاريخ الذي نوثقه بأيدينا لن يرحم المتسلقين، بل سيحفظ أسماء من أخلصوا لهذا الوطن وترابه. وكما ختم الحمود مقاله، سنظل نؤمن بأن: "التاريخ منصف.. والزبد يذهب جفاء".
واليوم، ونحن الذين سكبنا أعمارنا في محابر الوفاء، وتركنا آلاف الشواهد والوثائق لتكون حارساً لذاكرة المكان، ندرك تماماً أن "طاقية الإخفاء" ليست رداءً لبسناه، بل هي غشاوةٌ اختارها من لا يطيق النظر إلى وجه الشمس. نحن حاضرون في كل زاوية من تاريخ هذا الوطن، نملأُ المدى بمدادنا، ولكنّ المشكلة لم تكن يوماً في غيابنا، بل في انكسار الضوء لدى من لا يبحث إلا عن الظلال الباهتة. لقد أتممنا رسالتنا، وبنينا قصوراً من الورق والوثائق لا تهدمها الرياح، فإذا مررتم ولم تلمحوا هذا البنيان، فالعيبُ في البصيرة لا في الأثر، فالحقيقةُ باقية.. والعمى اختيار.