نادية إبراهيم نوري تكتب : أيُّهم أحقُّ بها؟
بقلم: نادية إبراهيم نوري
قرأتُ في طفولتي قصةً أثارت فضولي طويلًا، لأنني لم أجد لها جوابًا شافيًا.وتدور أحداثها حول ثلاثة أصدقاء: نجّار، وخيّاط، وعابد، اعتادوا أن يتناوبوا السهر ليلًا لحراسة مكان عملهم.
وفي إحدى الليالي شديدة البرودة، خرج النجار ليجمع بعض الحطب ليشعل نارًا تدفئه. وبينما كان الليل طويلًا والوحدة ثقيلة، قرر أن يشغل وقته بصنع شيء من بقايا الخشب. أخذ أدواته وبدأ ينحت حتى صنع مجسّمًا لامرأة فائقة الجمال، ثم مع بزوغ الفجر ترك ما صنعه وذهب لينام.
جاء دور الصديق الثاني، وكان خياطًا ماهرًا. وما إن رأى المجسم حتى أُعجب به، فقرر أن يخيط له ثيابًا جميلة، وصنع له شعرًا طويلًا زاده حسنًا وبهاءً، وظل يعمل حتى طلع النهار.
وفي الليلة الثالثة، جاء دور العابد للحراسة. وعندما رأى المجسم وقد اكتمل جماله، انبهر به كثيرًا، وجلس طوال الليل يدعو الله ويتوسل إليه أن يمنحه الروح، حتى تصبح امرأة حقيقية ويتزوجها، فقد سلبت قلبه وعقله.
ومع إشراقة الصباح، حدثت المعجزة، فإذا بالمجسم قد أصبح امرأة حية من لحمٍ وروح. فرح العابد فرحًا شديدًا وسجد لله شكرًا، لكن سرعان ما دبّ الخلاف بين الأصدقاء الثلاثة.
قال النجار:أنا أحق بها، فلولا مهارتي لما وُجد هذا الجسد أصلًا، ولبقيت مجرد قطعة خشب تُلقى في النار.
واعترض الخياط قائلًا:بل أنا أحق بها، فلولا الثياب التي حيكت بيدي، والشعر الذي صنعته لها، لما أصبحت بهذه الروعة التي أبهرتكم.
أما العابد فقال:كلامكما لا يكفي، فأنتم صنعتم شكلًا بلا حياة، أما أنا فقد دعوت الله بإخلاص حتى منحها الروح، ولذلك فأنا أحق بها منكما.
وهنا تنتهي القصة…فكاتبها لم يضع نهاية حاسمة، وترك لكل قارئ أن يختار الجواب الذي يراه مناسبًا.
في طفولتي حيّرتني القصة كثيرًا، ولم أجد لها تفسيرًا مقنعًا، لأن لكل واحد من الثلاثة دورًا مهمًا لا يمكن إنكاره. لكنني اليوم، وبعد أن بلغت الخامسة والستين من عمري، أدركت المعنى الحقيقي الكامن خلفها.
إنها قصة رمزية تُعلّمنا أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش أو ينجح وحده، مهما بلغ من العلم أو الحكمة أو المهارة، فكلُّ واحدٍ منا يُكمل الآخر، ولكل إنسان دورٌ مهم في بناء المجتمع والحياة.
صاحب الحرفة، والفلاح، والفنان، والعالِم، والطبيب، والمعلم، والمهندس، ورجل الدين، والجندي، والمرأة، والرجل… جميعنا بلا استثناء نؤدي أدوارًا متكاملة، وبنا معًا تنهض الأوطان وتُبنى الحضارات.
وكما قال سيدنا
محمد ﷺ:
«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضًا».
::