فلحة بريزات : أزمة طرق تسد منافذ الحياة؟
* الإسعاف لا يمر… حين تصبح الطريق ساحة اختبار
لم تعد استغاثة سيارة الإسعاف العالقة في زحمة السير مجرد تفصيل عابر يمكن تجاوزه، بل أصبح صورة مكثفة لاختلال عميق في إدارة الطريق، وفي ترتيب أولوياتنا كمنظومة ومجتمع.
لأكثر من ثلاثين دقيقة، وسائقها يحاول عبثاً أن يشق ممراً بين مركبات متلاصقة، تتقدم قليلاً ثم تتوقف، فيما الزمن داخلها لا يُقاس بالدقائق، بل باحتمالات الحياة والموت.
كنت أراقب هذه الصورة في طريقي إلى السلط قبل فترة، ولم يكن الأكثر قسوة هو الازدحام ذاته، بل ذلك الصمت البارد المحيط بالمشهد؛ سائقون يراقبون، وآخرون لا يعنيهم الأمر، بينما الزمن داخل تلك السيارة كان يكتب فصولاً من حياة قد تنطفئ في أي لحظة.
هنا، لا يعود المشهد مجرد ازدحام مروري، بل يتحول إلى سؤال أخلاقي وإنساني: كيف نقبل أن يصبح إنقاذ حياة معركة خاسرة مع الوقت؟
هذا الواقع وحده يكفي لتلخيص أزمة السير في الأردن؛ فهي ليست مجرد اختناق عابر، بل أزمة إنسانية واستراتيجية في آن واحد. فكل يوم تداهمنا أضواء وزوامير تُنذر بضرورة إخلاء الطريق، بينما نقف عاجزين، لأن الطريق لا يمنحه ترف المناورة، فيجد نفسه، رغم إرادته، جزءاً من أزمة قد تنتهي بفقدان إنسان.
ورغم أن البعض يميل إلى تفسير ما يحدث بسلوك بعض السائقين، إلا أن اختزال المشكلة في هذا الجانب لا يُنصف الواقع. فالأزمة، في جوهرها، نتاج تخطيط مروري لم يواكب النمو، ولم يبنَ على أسس تضمن انسيابية الحركة في الظروف الحرجة. ولو وجدت مسارات مخصصة للطوارئ، لما تحولت كل مهمة إنقاذ إلى محاولة يائسة لشق طريق بين المركبات. أوليس الإنسان أغلى ما نملك؟
المقلق أننا بدأنا نتعايش مع هذا الواقع، نصور الازدحام وكأنه قدر محتوم، بينما هو نتيجة قرارات قابلة للمراجعة. ومع مرور الوقت، تحولت الحلول إلى إجراءات مؤقتة، تُدار في الميدان بالتجزئة أكثر مما تُبنى في التخطيط، فتُستهلك الجهود دون أن يتغير الواقع.
في الشارع، يقف رجل السير في قلب العاصفة، يحاول إدارة أزمة أكبر من أدواته؛ يغلق مساراً ويفتح آخر. لكن ما يبدو حلاً آنياً، لا يلبث أن يتلاشى، فيما المواطن الذي ينتظر طويلاً ولا يرى سوى محاولات لا تمس جوهر المشكلة، فيكتفي بالصمت، التأفف أو الاستسلام.
وفي المقابل، تتزايد أدوات الضبط، وتبرز الكاميرات في اللوحة المكتظة، بينما تبقى الأسئلة معلقة: هل تُترجم هذه الإجراءات إلى تحسن فعلي في الطرق؟ وهل تُوظف عوائد المخالفات في تطوير البنية التحتية وتخفيف الضغط؟ هذا الشعور، بصرف النظر عن دقته، يكشف حاجة ملحة إلى الشفافية وربط المواطن بنتائج ما يُفرض عليه.
المفارقة أن الحلول ليست غائبة؛ فهناك تجارب ناجحة تعتمد على مسارات محمية للطوارئ، وإشارات ذكية تتفاعل مع الكثافة المرورية، وتكامل حقيقي بين التخطيط المروري والعمراني. لكن التحدي لا يكمن في استكشاف الحل، بل في القدرة على تنفيذه ضمن رؤية شاملة تضع الإنسان أولاً.
أزمة السير لم تعد مجرد إزعاج يومي، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لجودة الحياة، وكفاءة الإدارة وقيمة الإنسان في منظومة الطريق.
وكل تأخير في معالجتها هو كلفة تُدفع بصمت وأسى. وقد تكون أحياناً حياة لا تُنقذ في الوقت المناسب.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بفتح طريق أو إغلاق آخر، بل بإعادة تعريف الطريق كخدمة عامة تُدار بكفاءة وعدالة. فإما أن نمتلك إرادة التغيير ونبني منظومة سير تليق بالإنسان، أو نستمر في التعايش مع مشاهد تختبر إنسانيتنا كل يوم… حين لا تجد سيارة إسعاف طريقاً، ولا تجد حياة فرصة أخرى.
لعل هذا البوح يقع على آذان صاغية لدى صانعي القرار، امتدادا لشكاوى مرة بثها زملاء؛ ويدقون الناقوس دون حراك معلن.