الأخبار

د. محمد خالد العزام : من قطرةٍ إلى كلفة… حين يثقل الماء بظلال الأرقام

د. محمد خالد العزام : من قطرةٍ إلى كلفة… حين يثقل الماء بظلال الأرقام
أخبارنا :  

لم يعد الماء في قصتنا نعمةً عابرة تمرّ بخفةٍ بين الأصابع، بل تحوّل إلى معادلةٍ ثقيلة تُكتب بأرقامٍ قاسية وتُقرأ بقلقٍ متصاعد. فمن 80 قرشًا إلى ما قد يتجاوز دينارين للمتر المكعب في حال رُفع الدعم الحكومي، نحن لا نقف أمام زيادةٍ تدريجية، بل أمام مسارٍ يتصاعد كمنحدرٍ حاد، يبدأ بوعدٍ مطمئن وينتهي بواقعٍ يضغط بثقله على كاهل المواطن.

تبدو الرواية الرسمية في ظاهرها متماسكة، حين تُقدَّم كلفة المتر المكعب عند مستوياتٍ أقل من الواقع، ويُطمأن الناس بأن السعر سيبقى ضمن حدوده الحالية. غير أن هذه الصورة، ما إن تُفحص بعمق، حتى تتكشف عن اختلالٍ جوهري. فالمياه التي تُشترى بكمياتٍ ضخمة لا تصل كاملة، بل يُفقد منها ما يقارب النصف في شبكاتٍ مثقلة بالهدر، وكأننا ندفع ثمن ماءٍ لا نراه. وهنا تنقلب المعادلة: كمياتٌ كبيرة تُشترى سنويًا، بينما لا يصل إلى المستهلك سوى نصفها تقريبًا، ليصبح الفاقد ليس مجرد رقمٍ تقني، بل فجوةً مالية تتسع بصمت.

ومن هذا الاختلال تبدأ الكلفة الحقيقية بالظهور. فالسعر المُعلن لا يعكس الواقع، بل يمثل قشرةً رقمية تخفي ما تحتها؛ إذ ترتفع الكلفة الفعلية بشكلٍ مباشر مع احتساب الفاقد، قبل إضافة أعباءٍ أخرى لا تُذكر كثيرًا في الخطاب العام. وعندما تُحمَّل هذه الكلفة على الكميات التي تصل فعليًا إلى المواطن، فإن السعر يتجه ليكون أكثر من دينارين للمتر المكعب إذا ما رُفع الدعم، في انتقالٍ يكشف الفارق الكبير بين ما يُقال وما يُدفع.

هذا الفارق لا يمكن أن يستمر طويلًا دون تصحيح، فالقوانين الاقتصادية لا تُدار بالتصريحات، بل بالوقائع. ومع اتساع الفجوة، يصبح رفع التعرفة خيارًا أقرب إلى الحتمية منه إلى الاحتمال، خاصة إذا ما قررت الحكومة تخفيف أو رفع الدعم عن المياه. لذلك، فإن الحديث عن تثبيت الأسعار لا يبدو إلا محاولةً لتهدئة القلق، في وقتٍ تشير فيه المؤشرات بوضوح إلى اتجاهٍ تصاعدي لا يمكن تجاهله.

ولا يقف التحدي عند حدود الكلفة، بل يمتد إلى الزمن نفسه. فإذا كان الوصول إلى الإغلاق المالي قد استغرق سنوات، فإن السؤال المنطقي يفرض نفسه: كم من الوقت سيحتاج تنفيذ المشروع حتى يكتمل؟ والتجربة السابقة في مشاريع المياه لا تبعث على الاطمئنان، إذ كثيرًا ما تبدأ بجدولٍ زمني قصير، ثم تمتد لسنواتٍ أطول، تتعثر بين التأجيلات والتحديات، ليصبح الزمن عاملًا إضافيًا يرفع الكلفة ويؤجل الفائدة، ويزيد من فجوة الثقة بين المواطن والوعود.

وحتى إذا افترضنا أن المشروع سينجز في موعده دون تأخير، فإن التحدي الأكبر ينتظر في الأفق. ففي عام 2035، لن يكفي الماء لتلبية احتياجات المواطن الأردني حتى مع دخول الناقل الوطني حيز التشغيل، إذ ستتزايد الحاجات المائية بفعل النمو السكاني والضغوط المناخية. وهذا يعني أن الاعتماد على مشروعٍ واحد لن يكون كافيًا، وأن المرحلة المقبلة تتطلب إطلاق حزمةٍ متكاملة من المشاريع والخطط، تشمل حصاد المياه، وتقليل الفاقد، وتطوير مصادر جديدة، لضمان استدامة الأمن المائي.

وفي ضوء ذلك كله، يبدو المستقبل امتدادًا منطقيًا لهذا المسار المتصاعد. فمع اقتراب عام 2030، سيبدأ الأثر بالظهور تدريجيًا، لا على شكل صدمةٍ مفاجئة، بل كزيادةٍ تتسلل بهدوء إلى الفاتورة، حتى تستقر عند مستوياتٍ أعلى مما اعتاده المواطن، خصوصًا إذا ما رُفع الدعم. إنها عملية تراكمية، تبدأ بخطوةٍ صغيرة، لكنها تنتهي بحملٍ ثقيل.

وفي النهاية، لا يبقى السؤال الحقيقي هو ما تُعلنه الأرقام، بل ما سيواجهه المواطن في الواقع. فالماء لم يعد مجرد موردٍ طبيعي، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة السياسات على تحقيق التوازن بين الكلفة والعدالة. وبين ما يُقال وما يُدفع، تتسع المسافة… ويبقى المواطن هو من يعبرها وحده.

مواضيع قد تهمك