م. صدام الحروب : الناقل الوطني مشروع استراتيجي لمستقبل الأمن المائي في الأردن
في صيف انتظره الأردنيون طويلًا، وبدعم ملكي ورؤى استراتيجية وطنية وجهود حكومية، بدأ الأردن بنهج حازم للتصدي لإحدى الأزمات التي شكلت عقبة عانى منها على مر العصور، وقد تُوِّجت بخطى ثابتة وبقرار حكيم كان قادرًا على إعادة الأمل وترجمة إصرار الوطن وعزيمته إلى خطوات نحو الاكتفاء الذاتي، في المئوية الثانية التي احتفى بها الأردنيون، عبّروا عن اعتزازهم بإنجازات وطن صمد في وجه العواصف، وطن قدّم ولا يزال يقدّم رغم الإمكانات المحدودة، صاغ الإنجازات وعزّز الخدمات، وحمل أمانة المواطنين على أكتاف الرجال، لم يكن الوطن يومًا إلا مصنعًا للعطاء وكاتبًا للتاريخ الذي نسجه اباؤنا وأجدادنا من قبل، أبواب حملت خلفها هموم وطن كان يشكو وجع الفقر المائي، إلا أن ميثاق العهد قد صدق وعده وتحققت ما كنا نراه بالأمس رؤى، وسجلت الأقلام المساعي أمام أعين العالم، وبدأ النور يصدح في ميادين العمل، استعدادًا لبدء مرحلة جديدة من الازدهار المائي. الناقل الوطني الاسم الذي سيحمل معه آمال شعب ونتائج دولة ربطت الليل بالنهار لأجل رسم سياسة قادرة على أن تمهد الطريق لمستقبل الأجيال القادمة.
تزينت عمان كعادتها بالعز، وأعلنت رواية جديدة نُسجت من خيوط المعاناة ثوبًا لها، وبجهود أردنية تحاكي العالم، قصة أُعلنت بالتعاون مع ائتلافات دولية، وكرّست برؤى سامية لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه، وعلى خطى الحسين الباني طيب الله ثراه الذي صاغها في دروب المجد. الناقل الوطني رسالة الوطن إلى العالم، وهدية الحكومة لشعبها.
منذ أيام قليلة وقّعت وزارة المياه والري ممثلة بوزير المياه معالي المهندس رائد أبو السعود، وبحضور دولة رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، الاتفاقية الفنية القانونية النهائية لمشروع الناقل الوطني، مع تحالف شركات ميريديام وسويز، ويُعد توقيع عقد المشروع مع الشركات المؤهلة استحقاقًا مفصليًا وضروريًا لاستكمال إجراءات الإغلاق المالي، تمهيدًا للانتقال إلى تنفيذ المشروع على أرض الواقع، والتي يبرز دورها الجوهري في تحقيق العديد من الأهداف الاستراتيجية الداعمة لديمومة الاقتصاد الأردني، ويهدف المشروع إلى الحد من الندرة المائية، والتي من شأنها أن تسهم في معالجة أزمة المياه في الأردن، وتبلغ كلفته الرأسمالية قرابة 4.3 مليار دولار، فيما تصل الكلفة الكلية للمشروع إلى نحو 5.8 مليار دولار، بما فيها كلف التمويل.
وتولت وزارة المياه والري إجراء الدراسات الفنية والمالية والبيئية للمشروع وتنفيذه عبر ائتلافات دولية وبإشراف مباشر من الوزارة، وقد أثبتت وزارة المياه، سابقا، جدارتها في إدارة المرافق المائية ضمن أسس محورية عادلة قادرة على تحقيق وفرة مائية كافية رغم الفقر المائي الذي يعاني منه قطاع المياه، واليوم ورغم الصعوبات التي تواجه مسار عمله، لا تزال الإنجازات تتوالى، ولا يزال يواصل تقديم أفضل أنواع الخدمات الأساسية لأبناء الوطن.
ويستخدم المشروع تقنية التناضح العكسي (Reverse Osmosis) لتحويل مياه البحر إلى مياه صالحة، على أن يعتمد على 30% من مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، ومن المتوقع أن يكون للمشروع أثر إيجابي حقيقي على التنمية المستدامة من خلال توفير قدرة إنتاجية تصل إلى 300 مليون متر مكعب سنويًا من المياه المحلاة، ويهدف إلى نقل المياه من العقبة إلى العاصمة والمحافظات عبر شبكة تمتد لنحو 450 كيلومترًا، بما يغطي قرابة 40% من احتياجات نحو 4 ملايين مواطن من مياه الشرب في المملكة، ويسهم في تحسين انتظام التزويد، بما يؤدي إلى زيادة عدد أيام ضخ المياه من يوم واحد إلى ثلاثة أيام أسبوعيًا في معظم المناطق، مما ينعكس أثره على ارتفاع حصة الفرد السنوية من نحو 60 مترًا مكعبا إلى 110 أمتار مكعبة، ويبرز دوره أيضا في إعادة فتح أبواب رفد القطاعات الأخرى، ومنها القطاع الزراعي، الذي سيتاح له الاستفادة من المياه المعالجة التي سيتم تخصيصها للزراعات المقيدة، مما يشكل المشروع استجابة استراتيجية مستدامة لتحديات الاستثمار وندرة المياه، بالإضافة إلى خفض الفاقد المائي من خلال تقليل الضغط على الشبكات والآبار والمصادر الجوفية، ويعزز استقرار التزويد المائي.
وعلى صعيد التنمية الاستثمارية التي تبنتها وزارة المياه والري، والتي كشفت عن إقامة مصنع للأنابيب باستثمار أمريكي–هندي بقيمة 125 مليون دولار، لتوفير الأنابيب المعدنية المخصصة لتنفيذ مشروع الناقل الوطني لنقل وتحلية المياه ومشاريع استراتيجية وطنية أخرى، والذي سيقام على مساحة 350 دونمًا في منطقة القويرة الصناعية التابعة لسلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، بمتوسط إنتاج يبلغ 500 ألف طن من الأنابيب المعدنية، فيما سيقوم بالتصدير إلى مختلف الأسواق الإقليمية والعالمية، بما يسهم في رفع الناتج المحلي والميزان التجاري الأردني.
وعن ما سيقدمه المصنع للمجتمع المحلي من توفير 450 فرصة عمل في مختلف التخصصات الهندسية والفنية، على أن تكون 95% من عمالته محلية عبر برنامج تدريبي متكامل، إضافة إلى ما سيوفره المشروع الناقل من 4 آلاف فرصة عمل خلال مرحلة الإنشاء، مما يشكل بوابة حقيقية ونقلة مهمة، ليس فقط على مستوى الإنجاز الحكومي، بل أيضا على المستوى المعيشي والاجتماعي للمواطنين.
ونثمن اليوم الجهود الرامية لسيد البلاد، ونقدر مواقف الحكومة الأردنية الصادقة التي جسدت رؤى جلالته وجعلتها رسالة موجهة للعالم، وأثبتت تكاتفها في دعم الجهود الهادفة إلى الحفاظ على أمننا المائي، وجعلت من مصالح المواطنين والوطن أولوية قصوى في مسيرة الإنجاز، فالوطن يستحق المزيد من العطاء والعمل المستمر، ويستحق أن تتواصل الجهود لتعزيز مناعته التنموية والمائية، بما يواكب تطلعات المستقبل ويحقق حياة أفضل للأجيال القادمة.