الأخبار

عدن اليمنية: هل عادت حرب “الاغتيالات الغامضة”؟

عدن اليمنية: هل عادت حرب “الاغتيالات الغامضة”؟
أخبارنا :  

تُعيد جريمة اغتيال قيادي في حزب "التجمع اليمني للإصلاح” مدينة عدن للواجهة، لا سيما بعد إعلان حكومي، الأحد، عن ضبط خلية "إرهابية” تخطط لعمليات اغتيال في المدينة التي شهدت خلال السنوات العشر المنصرمة موجات من جرائم الاغتيالات الغامضة.

وأعلنت الأجهزة الأمنية في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، الأحد، "ضبط خلية إرهابية كانت تخطط لتنفيذ سلسلة من عمليات الاغتيالات واستهداف السلم المجتمعي في عدن”، وذلك غداة اغتيال قيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح (أكبر الأحزاب الإسلامية في البلاد)، عبد الرحمن الشاعر، والذي اعتبر هذه الجريمة "رسالة قذرة تهدف إلى إغراق المدينة في دوامة العنف والاغتيالات”.

ونقلت وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) بنسختها التابعة للحكومة، عن مصدر أمني مسؤول قوله إن "العملية جاءت بعد رصد ومتابعة دقيقة أسفرت عن القبض على عدد من العناصر المتورطة، وضبط مواد وأدلة مرتبطة بأنشطة الخلية الإرهابية وداعميها”. وأشار المصدر إلى أن "التحقيقات الأولية كشفت عن مخططات لاستهداف شخصيات اجتماعية ودينية، في محاولة لإثارة الفوضى وزعزعة أمن واستقرار العاصمة المؤقتة”، مؤكداً "استمرار التحقيقات لكشف كافة الملابسات وتعقب بقية العناصر المرتبطة بهذه الخلية”.

ولفت إلى أن المؤشرات الأولية تُرجّح ارتباط هذه الخلية بعدد من الحوادث الإجرامية الأخيرة، بما في ذلك حادثة اغتيال رجل الأعمال عبدالرحمن الشاعر، مؤكداً أن "التحقيقات جارية لتحديد المسؤوليات بشكل دقيق”. وكانت مدينة عدن قد شهدت، السبت، جريمة اغتيال القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح، ورجل الأعمال، ورئيس مجلس إدارة مدارس النورس الأهلية، عبدالرحمن الشاعر، إثر تعرضه لإطلاق نار من مسلحين مجهولين كانوا يستقلون سيارة نوع "بيك آب”، أثناء توجهه إلى مقر عمله في منطقة "كابوتا” في مديرية المنصورة في مدينة عدن. وتمكن الجناة من الفرار.

وأثارت الجريمة موجة إدانات ودعوات لفتح تحقيق عاجل وضبط الجناة وإحالتهم للقضاء. وأدانت الحكومة اليمنيّة المعترف بها دولياً، بأشد العبارات، الجريمة، واعتبرتها "تصعيداً خطيراً يستهدف استقرار العاصمة المؤقتة عدن.
ونقلت الوكالة الرسمية عن وزير الإعلام، معمر الإرياني، أن "استهداف أي مواطن أو شخصية سياسية هو مساس مباشر بمسؤولية الدولة تجاه جميع أبنائها دون استثناء، وبسيادة القانون والنظام العام”. ‏وأوضح أن هذه الجريمة "تأتي في سياق محاولات ممنهجة لخلط الأوراق وتقويض ما تحقق من استقرار، عبر إعادة إنتاج الفوضى كأداة لفرض وقائع خارج إطار الدولة، بما يهدد السلم المجتمعي ويقوض الثقة العامة”.

أثارت جريمة اغتيال الشاعر موجة إدانات ودعوات لفتح تحقيق عاجل وضبط الجناة وإحالتهم للقضاء

وأشار إلى أن "استهداف شخصية سياسية، مهما كان انتماؤها، يفتح الباب أمام استهدافات أوسع قد تطال مختلف المكونات، الأمر الذي يستدعي موقفاً وطنياً جامعاً في مواجهة هذه الممارسات”، وأكد أن "الدولة لن تتهاون مع أي محاولة لزعزعة الأمن أو تحويل عدن إلى ساحة للفوضى”.

فيما اعتبرت السلطة المحلية في عدن أن هذه "الجريمة الجبانة تأتي في سياق محاولات يائسة لزعزعة الأمن والسلم المجتمعي، واستهداف الكوادر المدنية، وتعطيل العملية التعليمية، وإرباك الجهود المبذولة لتطبيع الحياة العامة في العاصمة عدن”. كذلك أدان التجمع اليمني للإصلاح الجريمة، مؤكداً في بيان أن استهداف الشاعر "ليس إلا استهدافاً للوطن، وللعلم، وللسكينة العامة التي تنشدها عدن، ومحاولة يائسة لجر مدينة عدن إلى الفوضى”.

وأوضح أن الاغتيال "رسالة قذرة تهدف إلى إغراق المدينة في دوامة العنف والاغتيالات، وتصفية قاماتها الوطنية والاجتماعية الفاعلة”. ورأى في "استهداف الشاعر نذير شؤم بعودة مسلسل الاغتيالات الذي طال العشرات من كوادر العاصمة المؤقتة عدن”. ودعا "كافة القوى السياسية والوطنية والفعاليات المجتمعية في عدن، للوقوف صفاً واحداً في وجه مسلسل الاغتيالات الممنهج”.

فيما ربط "التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية” بين "استمرار هذه الجرائم” و”تعثر مسار العدالة في ملفات الاغتيال المتراكمة، منذ اغتيال الشهيد جعفر محمد سعد أول محافظ لعدن بعد التحرير، مروراً بجرائم طالت الخطباء والعلماء وأئمة المساجد والمدنيين والسياسيين والعسكريين، وصولاً إلى جريمة اليوم”. وقال إن "هذا التسويف القضائي أوجد لدى المجرمين شعوراً بأنهم فوق طائلة القانون”.

جرائم سابقة

وسبق وشهدت عدن، ومعها محافظات جنوبية أخرى، موجات من جرائم الاغتيالات الغامضة خلال السنوات العشر المنصرمة، طالت خطباء ودعاة وأئمة مساجد. وطبقاً لبيانات رابطة أسر ضحايا الاغتيالات في مناطق نفوذ الحكومة المعترف بها، حتى يناير/ كانون الثاني الماضي، فقد تم توثيق أكثر من 480 حالة اغتيال منذ عام 2015، من بينها نحو250 في عدن ولحج وأبين.

وقال رئيس الرابطة، خالد محمد سعد، في تصريح صحافي، إن هناك نحو 28 قضية منظورة أمام المحكمة الجزائية المتخصصة حتى يناير، من بينها قضايا مرتبطة بضحايا اغتيالات في محافظتي عدن والضالع، وقد نُظر فيها قضائياً، غير أن مسارها يشهد بطئاً وتعطيل حال دون استكمال الإجراءات القانونية بالشكل المطلوب على حد تعبيره، موضحاً أن هذه القضايا تمثل جزءاً محدوداً من إجمالي جرائم الاغتيال في المحافظات الواقعة في مناطق نفوذ الحكومة. وناشدت الرابطة، في بيان، "مجلس القيادة الرئاسي إصدار توجيهات عاجلة للجهات القضائية والأمنية إلى الإسراع بتحريك الملفات القانونية لكافة القضايا المتعلقة بالاغتيالات وصولاً إلى الكشف عن المخططين والممولين لهذه العمليات الإرهابية الغادرة”.

ضرورة قانونية ملحة

في الموازاة، قالت الناشطة الحقوقية المحامية هدى الصراري، إن "استئناف النظر في ملف عمليات الاغتيال المنفذة في محافظة عدن بات يُشكّل ضرورةً قانونيةً ملحّة، لا تحتمل التأخير أو التأجيل، وذلك في ضوء ما تكشّف من معطيات جسيمة تستوجب المساءلة الجنائية الكاملة”. وتحدثت عن "جملة من المتطلبات الإجرائية الجوهرية، أبرزها استكمال التحقيقات القائمة، وتفعيل ما أُوقف منها، مع توظيف كامل ما تضمّنته المحاضر الرسمية من أقوال وإفادات وأدلة مادية أُدلى بها على لسان عناصر خلايا الاغتيال الموقوفين في محافظتَي الضالع وعدن”.

كما لفتت إلى أهمية "تمكين أسر الضحايا وذويهم من حق اللجوء إلى القضاء وتهيئة السبل الكفيلة بتذليل العقبات أمامهم”. وأكدت الصراري، وهي رئيسة مؤسسة دفاع للحقوق والحريات في عدن، أن "تحقيق المساءلة الجنائية، وإغلاق باب الإفلات من العقاب لا يمكن بلوغهما إلا من خلال مسار قضائي شامل ومنضبط”.ورأت أن "اغتيال عبد الرحمن الشاعر ليس حادثة عابرة يمكن تجاوزها أو التعامل معها كخبر يومي. نحن أمام جريمة تعيد فتح ملف الاغتيالات بكل ما يحمله من أسئلة مؤلمة ومقلقة حول من يعبث بأمن عدن، ولماذا يستمر الإفلات من العقاب حتى اليوم”.

ناشطة دعت إلى "تمكين أسر الضحايا وذويهم من حق اللجوء إلى القضاء وتهيئة السبل الكفيلة بتذليل العقبات أمامهم”

ووفق الصراري، "كان يُعزى هذا الانفلات إلى سوء الوضع الأمني، وهيمنة فصيل واحد على مفاصل الأجهزة الأمنية، مع اتهامات طالت جهات يفترض بها مكافحة الإرهاب لكنها ارتبطت في الوعي العام بوقائع اغتيال لم يتم التحقيق الجاد فيها، رغم وضوح الأسلوب وتكرار النمط، بل ووصول الأمر إلى توثيق بعض الجرائم ونشرها دون أن يؤدي ذلك إلى كشف الجناة أو محاسبتهم”.

أما اليوم، وبعد كل ما قيل عن تغيّر الظروف وإعادة ترتيب المشهد، فما الذي يبرر استمرار ذات السيناريو؟ ما الذي يمنع الوصول إلى الجناة؟ وأين تقف المؤسسات الأمنية من مسؤوليتها في حماية المدنيين، خصوصاً الكوادر التعليمية والإنسانية؟ تتساءل المتحدثة، معتبرة أن "استمرار الصمت، أو الاكتفاء ببيانات الإدانة، لم يعد مقبولاً”. إذ إن المطلوب، حسب قولها، "تحقيق شفاف وجاد، يكشف المنفذين ومن يقف وراءهم، ويضع حداً لدوامة الإفلات من العقاب التي شجعت على تكرار هذه الجرائم”. ــ القدس العربي

مواضيع قد تهمك