الأخبار

رمزي الغزوي : تسطح الغرور في يوم الأرض

رمزي الغزوي : تسطح الغرور في يوم الأرض
أخبارنا :  

ما زلت أضع يدي على دفة قلبي كلما مرّ يوم مخصص لشيء نحبه؛ لأن في الأمر ما يشبه الاعتراف المؤجل بأن هذا الشيء يتآكل بصمت أو ينتهك بعمق. يوم الأرض الذي عبر أمس كان مرآة حقيقية نرى فيها مقدار ما فقدناه من حساسية تجاه هذا الكوكب الذي نحيا عليه دون أن نصغي إلى أنينه ونشيجه. نكتب عنه، نحتفي به، ثم نعود إلى عادياتنا كأن شيئا لم يكن.

بدت لي رحلة المركبة الفضائية أرتميس إلى القمر قبل أيام صفعة ناعمة تعيد ترتيب وعينا المرتبك. هناك، في التخوم البعيدة حيث يخف صخبنا إلى حد التلاشي، ظهرت الأرض في صورة لا تحتمل التأويل. كرة زرقاء شفيفة، ساكنة في ظاهرها، مثقلة في باطنها بكل ما نحمله إليها من قلق وصراع واستنزاف. من تلك المسافة، يتعرى غرورنا تماما، وتنكشف هشاشتنا كحقيقة لا يمكن تجميلها، فنحن لا نبدو أكثر من كائنات عابرة تتشبث بسطح صغير في كون شاسع لا يكترث.

ومن المفارقات التي تستحق التأمل أن الإنسان لا يدرك قيمة البيت إلا حين يبتعد عنه. رواد أرتميس، وهم يدورون في صمت كوني مهيب، لم يكونوا ينظرون إلى تضاريس جغرافية أو خرائط سياسية، كانوا يرون أما واحدة، بلا تجزئة ولا تصنيفات. لا حروب مرئية، لا حدود، لا ادعاءات تفوق. فقط كوكب واحد، يتنفس بصعوبة، ويواصل منح الحياة لمن يرهقه. أي مفارقة أكثر قسوة من أن نحتاج إلى هذا البعد كي نفهم القرب.

لا تعاني أمنا الأرض من حمى المناخ وحدها، تعاني من برودة الضمير أيضا. نخفض الانبعاثات في المؤتمرات، ونرفعها في الواقع. نتحدث عن الاستدامة بلغة أنيقة، ونمارس النقيض بسلوك يومي عابر. المشكلة لم تعد في الأرقام التي تقيس حرارة الكوكب، المشكلة في تلك الفجوة التي تكبر بين ما نعرفه وما نفعله. كأن المعرفة صارت زينة ذهنية، لا التزاما أخلاقيا.

فماذا ننتظر بعد كل هذا الوضوح؟ هل نحتاج إلى رحلة أبعد، وصورة أوضح، وصدمة أكبر كي نقتنع أن الأرض ليست تفصيلا في حياتنا، بل هي الحياة نفسها؟ أم أن السؤال الأصدق، والأكثر إيلاما: هل ما زال فينا ما يكفي من ضمير لننقذ أمنا قبل أن يتحول الندم إلى رفاه لا نملك ثمنه؟ ــ الدستور

مواضيع قد تهمك