د. نضال المجالي يكتب: العقبة تصنع الاتجاه… حين تتحول المياه والسكك إلى مشروع دولة برؤية ملكية بعيدة المدى
الدكتور نضال المجالي
في مسار التنمية الحديثة، لا تُقاس قوة الدول بعدد مشاريعها فقط، بل بقدرتها على تحويل الموارد إلى منظومات استراتيجية متكاملة. وفي الأردن، يبرز الناقل الوطني للمياه والناقل السككي كمشروعين يتجاوزان فكرة البنية التحتية التقليدية، ليشكّلا نموذجا في إعادة هندسة العلاقة بين الجغرافيا والاقتصاد والمستقبل، ضمن رؤية واضحة تتقاطع مع الجهد الملكي المستمر لدفع عجلة التنمية.
مشروع الناقل الوطني للمياه ليس مجرد خط لنقل المياه من العقبة إلى عمّان، بل هو مشروع وطني للأمن المائي في أحد أكثر البلدان شحا في المياه. يقوم على تحلية مياه البحر بالطاقة النظيفة انطلاقا من العقبة ثم نقلها لتغطية احتياجات المدن الرئيسية، في خطوة تعكس انتقالا من إدارة الأزمة إلى صناعة الحل. هذا المشروع يحمل في جوهره فكرة استراتيجية عميقة: أن الماء ليس موردا طبيعيا فقط، بل ركيزة سيادة واستقرار وتنمية.
أما الناقل السككي، فهو مشروع يعيد تعريف مفهوم النقل في الأردن، من خلال ربط العقبة بمناطق التعدين، وخاصة الفوسفات والبوتاس، مع رؤية مستقبلية لامتداده نحو مناطق أوسع. هذا الربط لا يهدف فقط إلى تقليل كلفة النقل وزيادة الكفاءة، بل إلى بناء اقتصاد لوجستي متكامل يجعل من السكك الحديدية شريانا إنتاجيا يربط الموارد بمراكز التصنيع والتصدير. ولعله يمتد لاحقا وكما تتحدث الخطط ليكون شريانا لنقل الركاب والبضائع لحدود ابعد.
في قلب هذين المشروعين تقف العقبة بوصفها نقطة محورية لا يمكن التعامل معها بشكل تقليدي. فهي ليست مجرد ميناء أو مدينة ساحلية، بل هي نقطة بداية ونقطة وصول في آن واحد. منها تنطلق الموارد الحيوية، وعبرها يمر جزء مهم من الاقتصاد الوطني. وهذا الموقع يجعلها مركز ثقل استراتيجي يتطلب إدارة واعية، تنظر إلى كامل مساحتها بوصفها فضاء تنمويا حساسا يجب التعامل معه بتوازن بين الاستثمار والحفاظ على البيئة والهوية الاقتصادية. وسأتحدث في مقال لاحق عن الجانب البيئي بالتحديد.
وتبرز هنا نقطة جوهرية لا تقل أهمية عن البنية الهندسية ذاتها: إدماج المجتمع في نقاط البداية والمرور والتأثير. فنجاح هذه المشاريع لا يكتمل بالتخطيط الفني وحده، بل بالمشاركة المجتمعية الفاعلة التي تجعل الناس جزءا من الفكرة لا متلقين لها فقط. إشراك المجتمعات المحلية في مراحل التنفيذ يخلق شعورا بالملكية المشتركة، ويحوّل المشروع من بنية فوقية إلى مشروع حياة يومي يرتبط به الناس اقتصاديا واجتماعيا. وكنت قرأت امس مقالا لاحد ابناء الديسة يتساءل بوعي كامل عن غياب الاستماع لهم بالرغم من تقاطع حياتهم اليومية مع تلك المشاريع، ولا اعلم حتى هل شارك ابناء المجتمع المحلي في العقبة أصلا في اي مرحلة ولا اتحدث عن دراسة الاثر البيئي بالرغم من كونها حجر اساس، فانا اتحدث عن المشاركة المباشرة في عوائد التنمية من تلك المشاريع.
إن تجاهل هذا البعد الاجتماعي، مهما كان المسار الهندسي والمالي متقدما أو مكلفا، يجعل أي إنجاز عرضة للهشاشة على المدى البعيد. فالمشاريع التي تُبنى بمعزل عن المجتمع قد تبدو قوية في بنيتها، لكنها تظل ضعيفة في استدامتها. أما المشاريع التي تدمج الإنسان في معادلة التنمية، فهي وحدها القادرة على الصمود والتحول إلى قيمة وطنية راسخة.
إن أهمية هذه المشاريع لا تنفصل عن الرؤية الملكية في الأردن التي أولت البنية التحتية والموارد الاستراتيجية اهتماما خاصا، باعتبارها أساسا للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فالجهود الملكية في الدفع نحو مشاريع وطنية كبرى تعكس فهما عميقا لمتطلبات المستقبل، حيث لا يكفي الاعتماد على الحلول الجزئية، بل لا بد من مشاريع استراتيجية طويلة الأمد قادرة على تغيير قواعد التنمية.
في النهاية، يمكن القول إن الأردن عبر هذه المشاريع لا يعيد فقط رسم خرائط النقل والمياه، بل يعيد صياغة مفهوم التنمية ذاته. والعقبة هنا ليست نهاية المسار، بل بدايته الواعية، حيث تتقاطع الرؤية مع التنفيذ، ويصبح المستقبل امتدادا لفكر استراتيجي يقوده وعي وطني ورؤية ملكية، شرط أن يبقى الإنسان شريكا أصيلا في كل خطوة، لأن التنمية التي تتجاوز المجتمع قد تُنجز، لكنها لا تُبنى بحق.