بشار جرار : كراج العم سام.. ورشة وصالة!
بانتظار حفل التوقيع الذي أعرب ترمب عن عدم ممانعته حضوره في إسلام آباد، لا ضير في اغتنام الفرصة لتسليط الضوء على عادة حميدة مرتبطة بفصل الربيع في أمريكا.
يحرص الرجال -مع احترامي ومحبتي للمهووسين بالجندرة- يحرصون أكثر من النساء على الاحتفاظ بحق الملكية والتصرف الحصريين في كراج البيت «الحلم الأمريكي»، مستقلا كان على شكل فيلا، أو متصلا ببيوت ضمن جيرة الجدار المشترك فيما بين البيوت، بصرف النظر عن فخامة العقار أو بساطته.
لا يقتصر استخدام الكراج على مصف السيارة أو سيارتي المنزل، بقدر ما يتضمن أيضا مساحات يتم تنظيمها بعناية لغايات الخزين المنزلي، أو تراكم ما لم تتخذ سيدة البيت ورأس الأسرة قرارات في أماكن توزيعها على غرف البيت، ومرافقه الداخلية والخارجية.
ولأسباب روحية-ثقافية، اجتماعية-اقتصادية مرتبطة أكثر بالانتماء إلى الريف وما تعرف بمجتمع الضواحي أو أطراف المدن، «سَبيرْبْيا» ذات القوة الانتخابية المتنامية، يحرص الأمريكيون على احترام ثقافة وروزنامة وأجندة الفصول والمواسم. الربيع يرتبط بالميلاد الجديد والحياة المتجددة، وبالتالي التوقيت يكون مناسبا لإعادة ضبط الأمور، استعدادا للانتقال من الشتاء بكل ما يعنيه، إلى الصيف بكل ما يمثله.
مما يحرص عليه الأمريكيون سيما في المناطق الريفية النائية والضواحي المستقلة عن المركز لموقف غالبا ما يكون ثقافيا أو اقتصاديا، يُعتبر الكراج بمثابة مغارة المغاوير، الرجال الذين يعتدّ بهم. وقد كان على مدى عقود، ورشة لصيانة السيارة، وأي شيء بحاجة إلى الإصلاح في البيت، وكانت تلك جزءا لا يتجزأ من دور الأب في تنشئة أبنائه الذكور على نحو خاص، بحيث يكون الولد قبل أن يبلغ الحُلُم «مْسبّع الكارات»! وتعلّم من أبيه أن يكون قادرا ليس فقط على إصلاح ما انكسر، بل تفادي ذلك، بالحكمة والدراية الكافية، في كيفية صيانة الأشياء، وبالتالي تقدير قيمتها.
أكثر الناس حرصا على استدامة تلك الثقافة التي تحرص على إنشاء جيل قوي قادر على الاعتماد على الذات والقيام بالواجبات الموكلة إليه «ربانيا» قبل مجتمعيا، كأب وأخ وزوج ومعيل وحامٍ للحِمى، أكثرهم استعدادا وكفاءة هم أبناء المؤسسة العسكرية الأمريكية، وأجهزة إنفاذ القانون ومن يُعرفون بالمستجيبين الأوائل، من رجال الإسعاف والإطفاء.
ترى الشباب يحرصون -إلى جانب تكريس الكراج كورشة عمل على مدار العام- على تحويل مساحتي السيارتين كمعدل وسط للأسرة الأمريكية التي تمتلك أو تستأجر منزلا مستقلا أو مشتركا مع جيران، تحويل الكراج-الورشة، إلى صالة أيضا!
يتم ترتيب الكراج وتعزيله سنويا مع حلول فصل الربيع، بحيث تكون أدوات الورشة في مكانها، معلّقة على الجدران، ومرتبة في أرفف تحسن استخدام الفراغات. أما الجانب الترويحي والرياضي، كالدراجات الهوائية وقوارب الصيد أو التجديف الخفيفة، فيتم هي الأخرى تعليقها من «عرقوبها» في سقف الكراج بعيدا عن رؤوس أصحابه، أو بالتوازي مع جدرانه.
يتم سحب السيارة أو السيارتين إلى الوراء جانبا قرب مدخل البيت، دون اعتداء على حرمات الطريق العام أو حق الجيرة. بدقائق معدودات، يكون كل ما يلزم لممارسة الرياضة متوفرا. وكأن كراج البيت صالة رياضية خمس نجوم، فيها ميزات إضافية ليس كونها مجانية فقط، بل وبكونها تحفظ الخصوصية، وفيها مرونة مطلقة في اختيار الوقت للتمرين على حمل الأثقال وشدّ حبال المقاومة و»رَزْع» كرة الأثقال الخاصة بتفريغ شحنات التوتر والانفعال والغضب بمعنى صفعها أو لطمها بأرض الكراج، بشكل مسالم وآمن. حتى المشّايات الكهربائية وتلك الخاصة بتسلق الأدراج، والتجديف محاكاة للقوارب، فيها من الأنواع القابلة للطيّ والضبّ، في أقل مساحة ممكنة.
أهلا بالربيع الطلق، لا كسياحة خارجية وداخلية فحسب، بل ورياضة وصحة واستثمار بـ «أغلى ما نملك»، مقولة الراحل العظيم، سيدنا الحسين، طيب الله ثراه، وكتب مقامه في عليين.
هذا الجسد «من تراب وإلى تراب» لكنه الهيكل الذي كرمه الله بالخلق والبناء والتجديد الدائم الدائب، وهو أمانة استودعها سبحانه فينا أفرادا وأسرا ومجتمعا ووطنا. العبرة ليس في البيت ولا في الكراج، فكل ما تقدم متاح في الحارة والحي، في «دبّة أو طبّون» السيارة الفارهة أو المتهالكة. ثمة الكثير من الأدوات الرياضية، قليلة الكلفة، سهلة الانتقال، تُغني عن النادي الرياضي «الجِمْ»، لمن لا يروق له. ألعاب الكرات بأنواعها متاحة، وليس كلها بحاجة إلى صالات وملاعب «مكندَشِة» أو مكلفة، وثمة «نطّ» حميد على الحبل، يحقق للإنسان في جميع الأعمار والحالات الصحية، ما يقيه شرور الكثير من الأمراض المزمنة كارتفاع الضغط والسكر والدهون الثلاثية، والانفعالات غير الحميدة. ــ الدستور