الأخبار

م . سعيد بهاء المصري : عقيدة الصابرا الصهيونية

م . سعيد بهاء المصري : عقيدة الصابرا الصهيونية
أخبارنا :  

عقيدة الصابرا الصهيونية: حين صُنِع الإنسان فبُنيت الدولة… ماذا نتعلّم نحن الأردنيون والعرب؟

مدخل: الصابرا كتعريف تأسيسي لا كمصطلح عابر

عندما يُستخدم مصطلح "الصابرا”، فإنه غالبًا ما يُفهم على نحو تبسيطي بوصفه يشير إلى اليهودي المولود في فلسطين أو إسرائيل، أي التمييز بين "ابن الأرض” و”المهاجر”. غير أن هذا الفهم يبقى قاصرًا إذا لم يُوضع في سياقه الفكري والتاريخي.

الصابرا، في حقيقتها، ليست توصيفًا ديموغرافيًا، بل بناء فكري وثقافي مقصود نشأ داخل المشروع الصهيوني بوصفه نموذجًا للإنسان الذي يجب أن يكون عليه "اليهودي الجديد”. إنها ليست وصفًا لما هو موجود، بل تصورًا لما يجب إنتاجه.

هذا الإنسان الجديد تم تخيله بوصفه نقيضًا لصورة "يهودي الشتات” كما صاغتها الأدبيات الصهيونية: ليس ضعيفًا، ليس منفصلًا عن الأرض، ليس غارقًا في الهامش، بل إنسان قوي، عملي، مباشر، مرتبط بالأرض، قادر على القتال، ومنخرط في مشروع جماعي يتجاوز ذاته الفردية.

حتى الاسم ذاته يحمل دلالة عميقة. فالصابرا مشتقة من نبات الصبار، الذي يتميز بصلابة خارجية وقدرة عالية على التكيف مع البيئة القاسية، مع لبّ داخلي طري. هذه الثنائية لم تكن مجرد استعارة، بل كانت صياغة رمزية لهوية كاملة: القسوة كشرط للبقاء، والإنسانية كادعاء أخلاقي موازٍ.

بهذا المعنى، الصابرا تمثل عقيدة وجودية قبل أن تكون هوية اجتماعية.



الصابرا كعقيدة تعبئة عامة: إعادة تشكيل الإنسان

لم يكن الهدف من الصابرا مجرد توصيف جيل، بل كان الهدف الأعمق هو إعادة تشكيل الإنسان اليهودي نفسه ليكون متوافقًا مع متطلبات مشروع الدولة.

لقد قامت هذه العملية على فكرة مركزية:
أن بناء الدولة يبدأ ببناء الإنسان، وأن أي مشروع قومي لا يمكن أن ينجح دون إنتاج نموذج بشري يحمل قيمه ويدافع عنه ويعيد إنتاجه.

ولهذا، جرى العمل على تشكيل الصابرا عبر منظومة متكاملة:

في التعليم، أعيدت كتابة السردية التاريخية لتربط الفرد بتاريخ ممتد، وتعيد تعريف العلاقة مع الأرض بوصفها علاقة أصل لا خيار.

في الحياة الجماعية، شكلت الكيبوتسات والموشافات بيئات تدريب عملي على القيم الجديدة: العمل الجماعي، التقشف، التضحية، والانضباط.

في الجيش، لم تكن الوظيفة أمنية فقط، بل تربوية أيضًا. فالخدمة العسكرية كانت وسيلة لإعادة تشكيل الشخصية، وغرس مفهوم الجاهزية الدائمة، وتحويل الأمن إلى جزء من تعريف الذات.

في الثقافة العامة، جرى تمجيد نموذج الصابرا بوصفه المثال الأعلى، وتهميش النماذج الأخرى، بحيث يصبح الانتماء إليه معيارًا للاندماج.

وهكذا، لم تعد التعبئة حالة استثنائية مرتبطة بالحرب، بل تحولت إلى حالة دائمة يعيشها المجتمع في كل تفاصيله.



الهدف العميق: توحيد مجتمع متنوع عبر نموذج واحد

كان المجتمع اليهودي القادم إلى فلسطين شديد التنوع: لغات مختلفة، ثقافات متعددة، خلفيات متباينة. وكان هذا التنوع يمثل تحديًا بنيويًا لأي مشروع سياسي يسعى إلى بناء دولة.

الصابرا جاءت كأداة لمعالجة هذا التحدي، ليس عبر إدارة التنوع، بل عبر صهره داخل نموذج معياري واحد.

أي أن الصابرا لم تكن مجرد هوية، بل كانت آلية لإعادة إنتاج المجتمع وفق قالب محدد.



من "اليهودي الجديد” إلى "العربي الجديد”

هذا المنطق لم يكن حكرًا على الصهيونية.
فالقرن العشرون العربي كان بدوره مسرحًا لمحاولات متكررة لصناعة "الإنسان الجديد”.

في الناصرية، كان الهدف خلق المواطن العربي الثوري، المؤمن بالوحدة والعدالة والتحرر.

في البعث، تم تطوير هذا المفهوم إلى صيغة عقائدية أعمق، حيث يصبح الفرد جزءًا من مشروع أمة ذات رسالة تاريخية.

أما في تجربة القذافي، فقد طُرح نموذج "الإنسان الجماهيري” الذي يفترض أن يحكم نفسه خارج الأطر التقليدية.

في كل هذه الحالات، كان المشروع يتجاوز السياسة إلى إعادة تشكيل الإنسان ذاته.



التشابه البنيوي: التعبئة كمدخل لبناء الدولة

يتقاطع النموذجان في نقطة جوهرية:

أن الدولة الحديثة لا تُبنى فقط بالمؤسسات، بل عبر إنتاج إنسان يتماهى معها.

كلاهما اعتمد التعليم، والإعلام، والتنظيمات الجماعية.
كلاهما سعى لخلق قطيعة مع الماضي.
كلاهما جعل الإنسان نقطة البداية لأي مشروع.

لكن النتائج كانت مختلفة جذريًا.



الفرق الحاسم: من التعبئة إلى القدرة

نجح نموذج الصابرا—نسبيًا—لأنه ربط بين:
سردية واضحة،
ومؤسسات فعالة،
ونموذج إنساني قابل لإعادة الإنتاج.

أي أن التعبئة تحولت إلى قدرة مستدامة.

أما في التجارب العربية، فقد بقيت التعبئة أعلى من قدرتها المؤسسية.
الشعارات كانت أكبر من الأدوات،
والمشاريع أكبر من البنية التنفيذية.

وهكذا تحولت التعبئة، في كثير من الأحيان، إلى أداة شرعنة لا بناء.



ذروة التعبئة وحدودها في التجربة العربية

بلغت المشاريع القومية ذروتها، لكنها واجهت تحديات عميقة:
الشخصنة السياسية،
ضعف المؤسسات،
غياب التوازن،
وصدمات كبرى.

ومع تراجعها، لم يظهر بديل مستقر.



من التعبئة إلى الفراغ

دخلت المنطقة في مرحلة ما بعد التعبئة:

تعدد الولاءات،
تآكل الدولة،
تصاعد الهويات الفرعية،
واتساع الاعتماد على الخارج.



الاقتصاد كمرآة مختصرة للحالة

تباطؤ النمو،
ضغوط على الأمن الغذائي،
اعتماد مرتفع على الخارج في الطاقة والتكنولوجيا والتسليح.

كلها إشارات على خلل بنيوي في القدرة الذاتية.



إسرائيل ما بعد الصابرا… والعرب ما بعد القومية

تراجع نموذج الصابرا داخل إسرائيل، لكن بعد أن ساهم في بناء دولة قوية نسبيًا.

أما في العالم العربي، فقد تراجعت المشاريع القومية قبل اكتمال بناء الدولة، فكان ما بعدها فراغًا لا انتقالًا.



الاستنتاج: من الإنسان المؤدلج إلى الإنسان القادر

الدرس ليس في استنساخ نموذج، بل في فهم المعادلة:

لا نهضة دون:
إنسان منتج،
ومؤسسات فاعلة،
واقتصاد قادر.

لا سيادة دون تقليل الاعتماد على الخارج.
ولا مستقبل دون بناء القدرة.

لقد كان القرن الماضي قرن التعبئة،
أما اليوم فهو قرن القدرة.

والسؤال الذي يواجهنا:

كيف نبني إنسانًا قادرًا، لا مجرد إنسان معبّأ؟
وكيف ننتقل من الشعارات إلى القدرة؟

مواضيع قد تهمك