القس سامر عازر : نحن خير من يتحدث عن مشرقيتنا وبلادنا العربية
القس الأب سامر عازر
الأرض تتكلم بلسان حال أهلها، ونحن أبناء هذه الأرض، نحمل ذاكرتها في قلوبنا، وننطق بتاريخها بصدق الانتماء وعمق التجذّر. لسنا رواةً عابرين لحكايةٍ كُتبت في مكانٍ آخر، بل نحن الحكاية ذاتها؛ نحن شهودها وأمناؤها، نروي للعالم قصة حضارةٍ وُلدت هنا، وتراثٍ نما في ترابها، ووحدةٍ صاغها العيش المشترك عبر القرون.
في المشرق العربي، لم تكن العروبة يومًا نقيضًا للدين، بل كانت حضنًا واسعًا يحتضن تنوعنا الروحي، ويصونه في إطار من الاحترام والوئام. العروبة عندنا هوية جامعة، لا تُقصي أحدًا، بل تُعلي من قيمة الإنسان، وتُكرّس معاني الأخوة، وتُجسّد وحدةً في التعددية، حيث تتكامل الأديان ولا تتصارع، وتتعاون على البر والتقوى وخدمة الإنسان وحماية الأوطان.
لقد علّمنا التاريخ أن أدياننا لم تكن سبب فرقة، بل كانت مصدر غنى روحي وثقافي. ففي هذه الأرض، تعايش المسلم والمسيحي جنبًا إلى جنب، تقاسما الخبز والألم والفرح، وبنيا معًا حضارةً إنسانيةً مشرقة. لم يكن الانتماء الديني حاجزًا، بل كان جسرًا نحو التعارف والتكامل، نحو خدمة الإنسان وكرامته.
وما نراه اليوم من مواقف حيّة تعبّر عن هذا الانتماء الأصيل، يؤكد أن الهوية العربية ليست شعارًا، بل ممارسة يومية وروح متجذرة. حين يتحدث أبناء هذه الأرض بثقة عن تاريخهم وتراثهم، فهم لا يدافعون عن وجودهم فحسب، بل يعلنون للعالم أن المشرق العربي هو موطن حضارةٍ حيّة، لا تزال تنبض بالقيم النبيلة والسامية.
وفي الأردن، تتجلى هذه الحقيقة بأبهى صورها، ويبرز فيها الدور التاريخي والحكيم للقيادة الهاشمية في ترسيخ اللحمة الوطنية وتعزيز الإخاء الإسلامي المسيحي. فقد شكّلت الرعاية والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية نموذجًا فريدًا في صون الهوية الروحية لهذه الأرض، حيث تُصان المقدسات بوتيرة واحدة، وتُحمى بوعيٍ عميق لمسؤولية التاريخ وقدسية الرسالة. ولم يكن هذا الدور سياسيًا فحسب، بل كان نهجًا متجذرًا في خدمة الإنسان، وترسيخ قيم العدل والسلام، وتأكيد أن وحدة الأردنيين، مسلمين ومسيحيين، هي صمّام الأمان لهذا الوطن.
إن المسيحيين الأردنيين ليسوا طارئين على هذا الوطن، ولا ضيوفًا فيه، بل هم جزء أصيل من نسيجه الاجتماعي والوطني. جذورهم ضاربة في عمق التاريخ، وشراكتهم في بناء الدولة الأردنية الحديثة واضحة في كل ميدان: في السياسة والاقتصاد، في الثقافة والفكر والروح، في الخدمة العامة والعسكرية. لقد بنى الأردنيون، مسلمون ومسيحيون، وطنهم سويًا، سواعدهم متشابكة، وقلوبهم موحّدة.
إن المسيحية في بلادنا ليست وافدة، بل متجذّرة في هذه الأرض منذ فجرها الأول، وهي جزء لا يتجزأ من هويتنا العربية. نحن مسيحيون عرب، نحمل إيماننا بعمق، ونعيش ثقافتنا العربية بانفتاح، ونعتز بإرثنا المشترك مع إخوتنا المسلمين. وصدق من قال: نحن مسيحيون بثقافة عربية، وروح منفتحة على محيطها الإسلامي، ننهل من قيمه، ونسهم في بنائه.
ومن هنا، تبرز مسؤوليتنا التاريخية: أن نحافظ على هذا الوجود الأصيل، لا كحالةٍ دفاعية، بل كشهادة حيّة. أن نكون أمناء على تراثنا الروحي، وأن ننقله للأجيال القادمة بروح الانفتاح والمحبة. ودورنا ورسالتنا أن نُسهم، كعرب مسيحيين، مع إخوتنا المسلمين، في بناء حضارة إنسانية قائمة على القيم الروحية، على العدالة، على الكرامة، وعلى المحبة.
نحن أبناء رسالة، لا رسالة قوة وعنف، بل رسالة محبة وسلام. نحن مدعوون لنشهد لقوة المحبة، لا لمحبة القوة. أن نكون جسورًا لا جدرانًا، نورًا لا ظلمة، صوتًا للحق لا صدى للفرقة.
نحن خير من يتحدث عن مشرقيتنا، لأننا نحياها. وخير من يدافع عن بلادنا، لأننا ننتمي إليها. وخير من يصون وحدتها، لأننا نؤمن أن في هذا التنوع سرّ قوتها، وفي هذا التآخي سرّ بقائها.