الأخبار

اسماعيل الشريف : نهاية البترودولار

اسماعيل الشريف :  نهاية البترودولار
أخبارنا :  

«الدولار عملتنا.. لكنه مشكلتكم أنتم» جون كونالي، وزير الخزانة الأمريكي الأسبق.

شكّل عام 1971 منعطفاً تاريخياً في بنية النظام المالي الدولي، حين أقدمت الولايات المتحدة على فك ارتباط الدولار بالذهب. وقد جاء هذا القرار في سياق استنزاف حاد للموارد المالية الأمريكية، تراكم جراء الأعباء الهائلة لحرب فيتنام؛ ما اضطر واشنطن إلى التوسّع المفرط في طباعة العملة. وقد ألقى هذا الإجراء، الذي أعلنه الرئيس نيكسون، بظلاله الثقيلة على المكانة الدولية للدولار، وأطلق مرحلة من الغموض الاستراتيجي حول مستقبل دوره المحوري.

بيد أن واشنطن لم تتأخر في استعادة زمام المبادرة عبر مناورة دبلوماسية بالغة الدقة؛ إذ أرسى وزير الخارجية هنري كيسنجر ترتيباً استراتيجياً محكم البنية مع المملكة العربية السعودية، يرتكز على تسعير النفط حصرياً بالدولار، في مقابل توفير الحماية الأمريكية، وتوجيه العائدات النفطية نحو الأسواق المالية الأمريكية. وما لبث هذا الإطار أن توسّع ليشمل باقي دول الخليج، محوّلاً الدولار إلى متطلب حتمي لكل دولة تسعى إلى استيراد النفط في الأسواق الدولية.

وبهذا، لم تقتصر المكاسب الأمريكية على استعادة مصداقية الدولار فحسب، بل امتدت إلى ترسيخ هيمنته الشاملة بوصفه العملة الاحتياطية الأولى في العالم وركيزةً أساسية من ركائز القوة الأمريكية. وتجلّى ذلك فيما بات يُعرف بـ«الامتياز الباهظ»، حيث أتاح هذا الوضع لواشنطن تمويل عجزها الهيكلي والاستدانة بتكلفة متدنية، فيما تحوّل الدولار إلى أداة متعددة الأبعاد تمزج بين النفوذ المالي والتوظيف الجيوسياسي في إدارة الاقتصاد العالمي.

وقد بلغ استثمار الولايات المتحدة لهذه الامتيازات الهيكلية أقصى مداه، فتراكم الدين العام ليصل إلى مستويات غير مسبوقة تقارب 39 تريليون دولار، أي ما يتخطى 120% من الناتج المحلي الإجمالي، ويعادل نحو سبعة أضعاف الإيرادات الحكومية السنوية. ويزيد من حدة هذا المشهد استمرار عجز الموازنة في مساره التصاعدي دون أفق واضح للضبط المالي.

على هامش اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع المنعقد في كندا الشهر الماضي، استوقفني تصريحٌ لافت لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، جاء فيه: «إنهم يسعون إلى تحويل [فرض الرسوم على مضيق هرمز] إلى واقع دائم، وهذا أمر بالغ الخطورة لا يمكن القبول به. ينبغي أن يُدرك العالم بأسره حجم هذا التهديد ويتخذ منه موقفاً صريحاً. نحن بطبيعة الحال نتأثر به بصورة محدودة، غير أن وقعه على سائر دول العالم أشد وطأة وأبعد أثرًا [...] لذا، فإن الموقف الحازم أصبح ضرورة لا مناص منها. سنقف إلى جانبكم، لكن زمام المبادرة يجب أن يكون في أيديكم، وعليكم أن تكونوا على أهبة الاستعداد للتحرك الفعلي».

بيد أن ما يكشفه هذا التصريح من تناقض صارخ يستحق التأمل؛ فالخاسر الأكبر من أي تعطّل في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز قد تكون الولايات المتحدة ذاتها، نظراً لما يُشكّله ذلك من ضربة مباشرة لمنظومة البترودولار التي أسّست عليها هيمنتها المالية العالمية على مدى عقود. ثم يأتي تصريح روبيو بالتنصل من هذا الالتزام ليُفضي حتماً إلى تساؤل جوهري لا يمكن تجاوزه: إذا كانت الولايات المتحدة نفسها تتراجع عن ضمان استقرار هذا النظام، فما المسوّغ الذي يدفع بقية دول العالم إلى الاستمرار في تسعير نفطها بالدولار؟

ثمة أصوات تذهب إلى أن عصر البترودولار قد أسدل الستار على نفسه نهائياً، غير أن هذا الطرح، على ما فيه من جاذبية تحليلية، يبدو في تقديري مشوباً بقدر من المبالغة، صحيح أن عدداً من دول الخليج بات يُنوّع في عملات التسعير، فيُجري بعض صفقاته النفطية باليوان واليورو، إلا أن هذه التحولات لا تزال في نطاقها التجريبي المحدود. ومع ذلك، فإن دلالاتها لا ينبغي الاستهانة بها، إذ تحمل مؤشرات جدية على مسار قد يتسع نطاقه على المدى المنظور.

في السياق ذاته، تنتهج إيران مساراً استراتيجياً يرمي إلى فرض اليوان الصيني عملةً مرجعية لتسعير النفط العابر عبر مضيق هرمز، مستندةً في ذلك إلى ثقل الصين بوصفها أكبر مستورد للنفط على مستوى العالم. ويُعزز هذا التوجه امتلاك بكين عملة رقمية سيادية أثبتت جدارتها الفعلية في إتمام صفقات نفطية، وقد شهدت زخماً ملحوظاً في أعقاب سلسلة معاملات بلغت قيمتها الإجمالية نحو 55 مليار دولار، مما يكشف عن تحولات متسارعة وعميقة في منظومة تسعير الطاقة عالمياً.

تتضافر هذه المعطيات لترسم مشهداً يوحي بأن منطقة الشرق الأوسط تقف على أعتاب تحول هيكلي جذري بالغ الأثر، يُنذر بانقضاء مرحلة لن تعود بعدها الأمور إلى ما كانت عليه. فقد بدأ احتكار الدولار لتجارة النفط العالمية يتراجع بصورة متصاعدة، إذ لم يعد العملةَ الحصرية لتسعير الطاقة. ومع اتساع هذا التصدع، تتشكّل موجة من التحولات المتسلسلة التي ستطال اقتصادات العالم تباعاً، مفتتحةً حقبة جديدة تتجه فيها الدول نحو توظيف عملاتها الوطنية في إتمام صفقات النفط شراءً وبيعاً.

لا أبالغ حين أقول إن كيسنجر لو كان شاهداً على هذا المآل، لأحاط به شعور عميق من المرارة والإحباط؛ فالصرح الاستراتيجي الذي أُقيم بصبر وعبقرية دبلوماسية على مدى عقود، يتداعى اليوم تحت وطأة قرارات ارتجالية تفتقر إلى الرؤية وتخلو من أدنى قراءة للتاريخ.

للاستزادة: https://tinyurl.com/y3s65jc4

مواضيع قد تهمك