د. خالد العاص : الأردن في عين العاصفة: إدارة التوازنات في زمن الحرب الإقليمية
في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تعكس اللقاءات السياسية رفيعة المستوى في الأردن إدراكاً واضحاً لحجم التحديات التي تفرضها الحرب الإقليمية الجارية. وفي هذا السياق، يأتي اجتماع جلالة الملك عبدالله الثاني مع شخصيات سياسية وخبرات حكومية سابقة ليعكس نهجاً قائماً على توحيد مراكز القرار والخبرة في مواجهة مرحلة تتسم بقدر عال من التعقيد وعدم اليقين.
هذا النوع من اللقاءات لا يمكن قراءته كإجراء بروتوكولي، بل كجزء من إدارة سياسية واعية للأزمات، تقوم على توسيع دائرة التشاور واستثمار الخبرة التراكمية للدولة. ففي لحظات الأزمات الكبرى، تميل الدول إلى إعادة تفعيل شبكاتها السياسية والمؤسسية، بهدف تعزيز القدرة على الاستجابة السريعة وصياغة خيارات أكثر توازناً.
على المستوى الداخلي، يبرز التركيز على جاهزية المؤسسات الأمنية والعسكرية كعنصر أساسي في معادلة الاستقرار؛ فالتأكيد على قدرة الدولة على حماية مواطنيها وحدودها يعكس أولوية الحفاظ على الأمن الوطني في ظل بيئة إقليمية مضطربة. لكن هذا البعد لا ينفصل عن جانب آخر لا يقل أهمية، يتمثل في إدارة التداعيات الاقتصادية للحرب، خاصة ما يتعلق بسلاسل التوريد والأمن الغذائي، وهو ما يفسر التركيز على استدامة المخزون الاستراتيجي من المواد الأساسية.
أما على الصعيد الإقليمي، فإن الموقف الأردني يعكس محاولة واضحة للتموضع في موقع التوازن، حيث يجمع بين رفض الحرب، والدعوة إلى التهدئة، مع الحفاظ على موقف حازم تجاه أي تهديد مباشر. هذا التوازن الدقيق يعكس طبيعة الدور الأردني التقليدي كفاعل يسعى إلى احتواء الأزمات بدلاً من الانخراط في محاور حادة.
وفي هذا الإطار، يكتسب الحديث عن أمن الخليج بعداً استراتيجياً، إذ يُنظر إليه باعتباره امتداداً مباشراً للأمن الإقليمي الشامل؛ فالتشابك بين الأمن العربي يجعل من أي تهديد في منطقة ما عاملاً مؤثراً في استقرار بقية الدول؛ وهو ما يعزز الحاجة إلى تنسيق سياسي وأمني أوسع.
كما أن الإشارة إلى أهمية استقرار الممرات البحرية، وعلى رأسها مضيق هرمز، تعكس إدراكاً بأن الحرب لم تعد محصورة في بعدها العسكري، بل تمتد لتشمل الاقتصاد العالمي وحركة الطاقة والتجارة؛ فحرية الملاحة لم تعد مسألة قانونية فقط، بل أصبحت جزءاً من معادلة الاستقرار الدولي.
وفي موازاة ذلك، يبرز التحذير من استغلال بعض الأطراف لظروف الحرب لتوسيع نطاق الصراع، خاصة في الأراضي الفلسطينية. هذا الطرح يعكس رؤية أردنية ترى أن تجاهل هذه القضية أو تهميشها في ظل الأزمات الكبرى قد يؤدي إلى تفاقم التوترات بدلاً من احتوائها؛ وهو ما يجعل من إعادة إدراجها في أولويات أجندة المجتمع الدولي ضرورة سياسية وأمنية.
في النهاية، تكشف هذه التحركات عن مقاربة أردنية تقوم على إدارة
التوازنات في بيئة إقليمية شديدة التقلب، حيث لا يكفي اتخاذ المواقف، بل
يصبح الأهم هو القدرة على الحفاظ على الاستقرار الداخلي، والانخراط الخارجي
بحذر، وتجنب الانزلاق إلى صراعات مفتوحة. وفي ظل استمرار الحرب
وتداعياتها، يبدو أن هذا النهج سيبقى الخيار الأكثر واقعية في مواجهة مرحلة
تتسم بعدم اليقين وإعادة تشكيل ملامح الإقليم.