الأخبار

بشار جرار : علم التجاهل!

بشار جرار : علم التجاهل!
أخبارنا :  

رحم الله من علّمنا من الرعيل الأول، تلك القامات الباسقة من المربين الأردنيين. ما زالت ذكراهم عطرة، وأفضالهم حاضرة في حياتنا، بعد عقود من التخرج.

ما كانت المعارف - كما كان اسم الوزارة قبل أن تصبح للتربية والتعليم- ما كانت يوما محصورة بمنهج مدرسي، ولا حتى نشاطات لا منهجية. هي في حقيقة الأمر منهجية، من ألفها إلى يائها، كون منهجها ونهجها واحدا، ينشد خير الطالب، صلاحه وفلاحه في الميادين كافة، لا بالمبحث الذي يدرّس على مقاعد المدرسة أو الجامعة، الكلية الجامعية، أو مؤسسة التدريب المهني.

وسط معمعة الحرب وصخب دعاتها - مع أي الأطراف اصطفوا- تذكرت مادة كانت محببة إليّ في المرحلة الثانوية من التخصص العلمي، الرياضيات. وليس بيني وبين علومها من جفاء، أو قطيعة غالبا، أو عداوة أحيانا، سوى علم الحساب. «ما تزبط الحسبة» في بعض الأحيان معي. ليس لنفسي بقدر ما لمن وما أحب. لكن بعيدا، عن «الكاش» وأرقام الواردات والنفقات، تحضرني في مناسبات كثيرة منها حرب إيران الراهنة، مادة علم التّفاضُل والتّكامُل! لست أدري إن كانت مادة في منهاجنا أم لا.

وليتها تصير من المواد اللازمة لجميع التخصصات المدرسية قبل افتراق طلبة الابتدائي والإعدادي إلى تخصصات علمية وأدبية وتجارية ومهنية وفندقية وغيرها إن زاد عدد تلك التخصصات ما قبل الجامعية.

لن أدخل في مفاضلات بين حليف وآخر، ولا صديق أو عدو، أو من يسمون «الأعدِقاء!»، فالأدوار فيما بينهم في الأزمات تكاد تكون متكاملة، جراء إصرار البعض على اجترار الأخطاء الكارثية ذاتها، لا بل وعلى نحو، سرعان ما ينحدر من العبثية إلى العدمية.

حسابات الدنيا، دنيانا هذه التي لن تنسينا أبدا بعون الله الآخرة ودار النعيم المقيم، بفضله ورحمته لا بأعمالنا، أقول حسابات دنيانا في الحرب والسلم والأزمات التي لم يكد أبناء جيلي يلتقطون أنفاسهم، ومن قبلهم وبعدهم من مرت عليهم صراعات وأزمات دامت عقودا، تستدعي مقاربة أخرى ليست ببعيدة، عن المهارات التي اكتسبناها من علم التفاضل والتكامل!

لربما ما نحتاجه للوقاية قبل العلاج، من كثير من الأزمات، هو ما يمكن تسميته بعلم التجاهل! تجاهل الأشقياء والأدعياء والسفهاء من دعاة الحروب والتأزيم في الحرب والسلم، والشدة والرخاء، لاعتبارات دعائية انتخابية مصلحية مالية بحتة.

تلك ظاهرة ما كانت يوما محلية، ولا هي وليدة النظام العالمي الراهن أو الآخذ بالتشكّل الآن. نظام من مداميكه وباء كورونا وحروب أوكرانيا وغزة وإيران.

في أدق الظروف وأكثرها خطورة، يصر نفر من قوم على النيل من إجماع وطني، وإرادة وطنية.. يصرون -سامحهم الله- يصرون ويكابرون عن جهل أو جهالة، يصرون بعناد مريب، على مزاحمة صواريخ العدوان الإيراني ومسيّراته، بمسيرات لا خير فيها، لا بل ليس فيها إلا الضرر والضرار..

التجاهل كفيل بحجب الأوكسجين عن نار الفتنة، أوكسجين الاهتمام الإعلامي، التجاهل كفيل بإماتة هذا الباطل المريب. وكم تمنيت لو سبقت هذه السطور، دعوة إلى حظر كلي وطويل المدى لأي عمل أو قول أو حتى إشارة -وإن كانت سيبرانية- في ذلك العالم الذي ثبت أنه ليس افتراضيا، بل موغل في واقعية، رأينا خرابها، وشهدنا على الهواء مباشرة وفي تغطيات مطولة شهدنا عن بعد وبألم، دماءها فياضة، طافت وطفت في أكثر من قطر شقيق وبلد صديق.

من العلم بمقتضيات ما تفرضه الحروب، من حق الصالح العام أن يزهق باطل «قلة باغية» تزعم إنها «الناجية» عبر ترويج شعارات من الأباطيل السجعية!

حق الجيش والأمن علينا كبير وواجبنا الإسناد، لا التشكيك ولا التشتيت. فتلك جريمة، لا بل وخيانة، في وقت يتصدى فيه النشامى من الجيش العربي المصطفوي والأجهزة الأمنية للصواريخ والمخدرات الموغلة في سميتها وحقدها، تلك التي بدأت بـ»الحشيش» وانتهت عبر الكبتاغون إلى الكرستال القتّال..

التجاهل حتى لغثائهم على منصات التناحر والشتائم والمزاعم والافتراءات، وتلك الضحكات الصفراء البلهاء الفيسبوكية، وحده التجاهل كفيل بإطفاء شررهم المستطير خبثا، ريثما يكون الحظر والتقديم إلى العدالة، تغريما وحبسا، إصلاحا وتأهيلا، هو الحل. رحم من قال «آخر العلاج الكيّ»..

مواضيع قد تهمك