الأخبار

د. خالد الحريرات البطوش : ثنائية إيران وإسرائيل والمشروع العربي

د. خالد الحريرات البطوش : ثنائية إيران وإسرائيل والمشروع العربي
أخبارنا :  

يواجه العرب في الشرق الأوسط تحديات الأطماع التوسعية من الجيران في الشرق والغرب، فالقيادات الإسرائيلية لا زالت أسيرة لأوهام توراتية تنتظر تنفيذ وعد إلهي مزعوم يمكّنهم من السيطرة على مساحات واسعة ودول كاملة السيادة في الشرق الأوسط، بينما يعتقد قادة إيرانيون أن الثورة الإسلامية التي نجحت في طهران قابلة للاستنساخ في العالم العربي، وقد باشروا بالفعل إجراءات تصديرها، والمفارقة أن كل هذا الخلاف بين تل أبيب وطهران ينقلب إلى توافق إلى حد التطابق في استعداء الدول العربية واستباحة أراضيها والتنكر لحرية شعوبها في الحرية والاستقلال، وهكذا غدا مستقبل الإقليم مسكونا بالخشية من الأطماع، مرّة من تلك المخلوطة بالأوهام التي تلفها العمامة في الشرق، ومرّة أخرى من تلك التي تنفخها الخرافة وتعتليها القلنسوة في الغرب.

هناك من لا يزال ينخدع ببريق فكرة مقاومة إسرائيل ويلقي السمع للمزاعم الإيرانية، وهناك من تنطلي عليه حيلة أن مواجهة خطر إيران لا تكتمل دون إسرائيل، والحقيقة أن كلا من إسرائيل وإيران تسعيان للسيطرة وتستغل كل منهما العداء للآخر لتحقيق أطماعها في العالم العربي، وليس أسهل في إقناع الشعوب بالحروب من اصطناع عدو ثم إقناعهم بضرورة سحق قدراته.

يدرك الأردن ودول الخليج العربي جيدا أطماع إسرائيل التوسعية، وفي ذات الوقت تعي هذه الدول تماما رغبة إيران وعزمها على تصدير ثورتها، وبالقدر الذي تحيط به بتلك الأطماع، فإنها لا تثق بادعاءات كل منهما بأن هزيمة الآخر يصب في مصلحة الدول العربية، وعندما يشجب الأردن اعتداءات إيران لا يعني أنه يقف إلى جانب إسرائيل، وحالما يدين العدوان الإسرائيلي فانه لا يؤيد إيران في العبث باستقرار المنطقة وتمويل ميليشيات تجهر بالخروج على سلطة الدولة في عدد من الأقطار العربية، فالمبدأ واحد في الحالتين، وحصر الخيارات المتعددة في خيار إما أن تكون مع هذا الطرف أو ذاك لا يستقيم ومنطق الأمور، ويمثل تسطيحا لمواقف أكثر عمقا مما تبدو عليه.

يميل كثيرون إلى أن المشروع العربي غائب في مواجهة المشروعين الإسرائيلي والإيراني في المنطقة، ولكن هذا الاتجاه لا يصمد أمام التحليل، فمع الأطماع التوسعية للإسرائيليين والإيرانيين على السواء يتموضع المشروع العربي؛ لأنه ببساطة نقيض المشروعين معا، وهو بهذه الطبيعة ليس رد فعل لوجود أي منهما أو كليهما، وإنما يتوفر على عناصر موضوعية تمنحه ذاتية مستقلة، ولعل جهل هذه الحقيقة أو تجاهلها من قبل كثيرين يرجع إلى الطبيعة النوعية المختفلة للرؤية العربية للمنطقة، فالمعيار الكمي في مدى التوسع القابع في الأطماع الإيرانية والإسرائيلية الذي يستهوي عشاق الإثارة، والراديكالية الطاغية على الخطاب لدى كل من الطرفين إلى حدّ يتراوح بين التهميش في حالة إسرائيل إلى الإقصاء في حالة إيران لا يتفق مع المشروع الرسمي العربي الذي يحترم الجوار الإيراني ولا يمانع في الاعتراف بوجود إسرائيل واحتوائها عند اعترافها بحقوق الشعب الفلسطيني.

إيران غير قادرة على الردع، وإسرائيل لا يمكنها الحسم، وعندما يقصر السلاح عن تحقيق الردع أو فرض الحسم بين خصوم تحركهم الأطماع فان اقتناءه يغدو وصفة للخراب ومحركا للفوضى، وعلى التوتير الذي يخلقه هذا الشّد ينسل الموقف العربي من تفكير أكثر هدوءا وبأدوات أجدى نفعا، فالمشروع العربي ذو طبيعة سياسية في الأساس تستقيم على التقسيم الذي ورثت به الأقطار العربية الدولة العثمانية وأعقب فترة الانتداب الغربي في مطلع القرن الماضي، ولكنّ هناك حقيقتين تشكلان جانبا بنيويا في هذا المشروع: فمن جهة يجب أن يبقى التسلح للدفاع وضمن توازنات محسوبة لتدفع الحرب أكثر مما تندفع إليها، ومن جهة أخرى ينبغي تحقيق التكامل بين وفرة الأموال في دول الخليج العربي وتوافر العمالة الماهرة في بلاد الشام ومصر، بهذا التصور يمكن ترشيح هذه المنطقة من العالم لتكون مركزا اقتصاديا حيويا، ليس فقط لتصدير النفط وإنما لتوطين صناعة الاقتصاد المعرفي واستقطاب فورة الثورة الصناعية الرابعة، ومن هذا العمق تبرز أهمية الاستقرار السياسي والأمني الذي يمنح هذا المشروع الندّية الكاملة مقابل خطورة المشروعين الإسرائيلي والإيراني، وعند هذا المستوى من الطموح الاقتصادي يتفرّد المشروع العربي ويمكن أن يحجز حيّز نجاحه بعيدا عن ركام الحروب التي اختار تجنبها، ولتمكينه من النهوض يمكن استلهام مشاريع تاريخية تخلت عن بذور النزاعات والاستقطابات العسكرية لصالح نهضة اقتصادية ثبت جدواها كما في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وكما في كوريا الحنوبية بعد الحرب الكورية.

مواضيع قد تهمك