عارف عادل مرشد : حرب إيران والسيناريوهات المحتملة لنهايتها
تستمر الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من ناحية وبين إيران من ناحية أخرى للأسبوع الرابع دون أن تظهر في الأفق مؤشرات تزيد من احتمالات إنهائها في المدى القريب في ظل "غموض" الأهداف التي تسعى واشنطن وتل أبيب إلى تحقيقها، فضلاً عن إصرار طهران على رفع كلفة الضربات العسكرية التي تعرضت لها، وتسببت في تكبُدها خسائر بشرية واقتصادية فادحة.
أن استمرار التصعيد العسكري من جانب الأطراف الثلاثة يفتح الباب أمام ثلاثة سيناريوهات محتملة يمكن أن تتجه الحرب الحالية إلى أحدها في المرحلة القادمة:
السيناريو الأول، الاستنزاف بإطالة أمد الحرب: يقوم هذا السيناريو المحتمل على افتراض دخول المواجهة بين الطرفين في نمط صراع ممتد منخفض الوتيرة، يتجاوز فكرة الحسم العسكري السريع إلى استراتيجية الاستنزاف التدريجي. ومما يعزز من فرص هذا السيناريو أن الأهداف التي شنت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب ضد إيران من أجلها لم تتحقق بالكامل. صحيح أن الضربات العسكرية التي نفذتها الدولتان ساهمت في تدمير قسم كبير من القدرات العسكرية الإيرانية، إلا أن الصحيح أيضاً أن إيران ما زالت لديها القدرة على شن هجمات متتالية بواسطة الطائرات من دون طيار والصواريخ البالستية، سواء ضد إسرائيل أو القواعد الأمريكية أو ضد دول مجلس التعاون الخليجي. خاصة أن إيران كانت قد طورت خبراتها عبر عقود من الانخراط غير المباشر في صراعات مثل العراق وأفغانستان ولبنان وغزة، مما اكسبها خبرة في الحروب غير التقليدية واستنزاف القوى الكبرى. فضلاً عن ذلك، ما زال وضع المنشآت النووية غامضاً؛ حيث يمثل تدمير قدرة إيران على إنتاج القنبلة النووية احد الأهداف المُعلنة من الحرب الحالية، وهو ما لا تبرز مؤشرات تتيح القول بأنه تم تحقيقه حتى الأن.
ومن الممكن القول، أن هذا السيناريو هو "الأسوأ" بالنسبة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، و"الأكثر ترجيحاً" بالنسبة إلى إيران في الوقت الحالي؛ إذ إن إطالة أمد الحرب يمكن أن يفرض ضغوطاً داخلية على الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، خاصة في ظل الانتقادات التي يتعرض لها بسبب إدارة العمليات العسكرية وغموض أهدافها. كما أن إطالة أمد الحرب قد لا يتوافق مع حسابات رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو"، الذي يسعى بدوره إلى تعزيز فرصة في الاحتفاظ بمنصبه بعد انتخابات الكنيست القادمة.
أما إيران فربما ترى أن إطالة أمد الحرب هو الخيار الذي يتناسب مع حساباتها في الوقت الحالي؛ لأن هذه الإطالة من الممكن أن تؤدي في النهاية إلى أتفاق وقف اطلاق نار يشمل ضمانات بعدم استخدام الخيار العسكري ضدها من جديد.
السيناريو الثاني، تسوية دولية للحرب وبقاء النظام الإيراني: يفترض هذا السيناريو وصول الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل إلى اتفاق سياسي أو تهدئة محددة مع إيران بوساطة إقليمية و دولية، مع بقاء بعض العقوبات على إيران، وعودة المفاوضات بشأن البرنامج النووي والصاروخي الإيراني مع ضمانات دولية. واحتمالية هذا السيناريو على الرغم من ضعفها، إلا أنها تبقى قائمة على المدى المتوسط نتيجة وصول القوات الغربية والإيرانية إلى "طريق مسدود استراتيجياً" مما سيجبر الجميع على تدخل دولي واسع وخصوصاً روسيا والصين وخروج المفاوضات من تحت سيطرة واشنطن. وستكون النتيجة نظاماً إقليمياً جديداً يعترف بمصالح طهران كأمر واقع ويقدم ضمانات أمنية جديدة تضمن عدم نشوب الحرب مجدداً، أو بمعنى أدق عدم شن جولة ثالثة منها في مرحلة لاحقة.
صحيح أن تحقق هذا السيناريو يمثل مغامرة بالنسبة لإيران، منها إعادة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" إصدار الأوامر بتوجيه ضربات "أكثر إيلاماً" لإيران، وربما محاولة استهداف المرشد الجديد مجتبى خامنئي، لكن ربما ما تعرضت له إيران من خسائر ضخمة تدفعها إلى الانخراط في عملية تسوية دولية.
السيناريو الثالث، انتهاء الحرب بانهيار قدرات النظام الإيراني: ويعني ذلك أن الضربات العسكرية المكثفة والمتتالية التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل قد تسفر عن تدمير ما تبقى من الترسانة العسكرية الإيرانية، خاصة المسيرات والصواريخ البالستية، وتقليص قدرة إيران على تهديد حركة الملاحة في مضيق هرمز والخليج العربي، عبر توجيه مزيد من الضربات في جزيرة خرج، وإمكانية نشر قوات أمريكية في الجزيرة أو تنفيذ عمليات خاصة داخل إيران نفسها. وقد لا يتصل ذلك بالضرورة بانهيار النظام نفسه أو سقوطه؛ إذ أن هذا السيناريو يعني افتقاد النظام القدرة على مواصلة الحرب، وان استمراره في السلطة على المدى الطويل قد يكون محل شك، باعتبار أن الحرب لم تسفر عن إضعاف قدراته العسكرية والنووية فقط، بل إضعاف قدراته الأمنية أيضاً. وبعبارة أخرى، فإن سقوط النظام-على المدى المنظور-وفقاً لهذا السيناريو، قد يكون احتمالاً مؤجلاً فقط إلى حين نضوج ظروف يمكن أن تساعد في تحقيق هذا الهدف، نظراً لطبيعة النظام العقدي الإيراني، وهيكل الحكم الإيراني المعقد القائم على مؤسسات راسخة، وغياب شخصية تجمع بين القبول الداخلي والغربي. فضلاً عن تنامي الضغوط الداخلية على الرئيس الأمريكي لإنهاء الحرب ورغبته في تحقيق إنجاز سريع منخفض الكلفة.
aref_murshed@yahoo.com