د. محمد صبحي العايدي : الوعي السياسي (3): نقطة ارتكاز
لا تقاس الدول بما تملكه فقط، بل بما ترتكز عليه، فالتاريخ السياسي لا يرحم الكيانات الرخوة، ولا يمنح موقعاً مستقراً لمن لا يملك نقطة يستند إليها في لحظات التحول الكبرى، وما تشهده المنطقة اليوم ليس مجرد توتر عابر، لكنه تعبير عن صراع أعمق على إعادة تشكيل النفوذ في الإقليم، صراع تدور رحاه حول من يملك القدرة على إعادة رسم المجال الحيوي، وفرض معادلات جديدة، وفي مثل هذه الصراعات تكون النهاية عادة بداية لمرحلة أخرى عنوانها: تثبيت النفوذ والتمدد.
وهنا يصبح التمييز ضرورياً بين نوعين من الصراع، صراع محدود يمكن أن يدار
بالتسوية كالنزاعات الحدودية والتقليدية، وآخر صراع نفوذ مفتوح لا يكون
الهدف منه قضية بعينها، وهذا النوع من الصراع لا تنتهي فيه المعارك، بل
تبدأ بعدها مرحلة أكثر تعقيداً، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت مكاسبه
وتوسيعها، ومن هنا فإن الرهان على انتهاء الصراع في هذا النوع مع انتهاء
الأزمة هو رهان خاسر، لأن ما بعد الصراع يكون أكثر حساسية وخطورة.
إن أخطر ما تقع فيه الدول لحظة الصراع هو الانجرار إلى استقطاب حاد تفرضه
الضغوط، غير أن التجارب تثبت أن الدول الكبرى لا تبني تحالفاتها على
الثبات، بل على المصالح المتغيرة، لذلك فإن الحفاظ على التوازن السياسي ليس
خياراً تكتيكياً، بل هو جوهر نقطة القوة والارتكاز بالنسبة لنا، فالدولة
التي تفقد توازنها تفقد قدرتها على المناورة، ومن هنا لا تكون الحكمة في
الاصطفاف، بل في الاستعداد لمرحلة ما بعد الصراع، لمواجهة المنتصر منهما
أياً كان، لأن الصراع -كما ذكرنا- بنيوي لإعادة تشكيل النفوذ في المنطقة،
لا صراع تقليدي تنتهي آثاره بانتهائه.
ضمن هذا السياق ليست كل الدول قادرة على الصمود، فبعضها يمتلك ما يمكن
تسميته بـ»نقطة الارتكاز»، وهي تلك الركيزة التي تمنحه القدرة على الثبات،
وهامش المناورة، وإمكانية التأثير، بينما تتحول الدول التي تفتقد هذه
الركيزة إلى مساحات عبور في مشاريع الآخرين، وفي هذا الإطار يمكن ملاحظة
كيف بنت بعض القوى الإقليمية نفوذها عبر الارتكاز على جماعات محلية، كما
ظهر في تجارب العراق وسورية ولبنان واليمن، هذا النمط من التمدد لا يعتمد
على المواجهة المباشرة، بقدر ما يقوم على اختراق البنى التحتية الداخلية
للدول الأخرى، وإعادة توظيفها.
لكن هذا النمط من التمدد لا ينجح دائماً في كل البيئات، فهناك دول يصعب
اختراقها بهذه الآليات، ويعود ذلك إلى تماسكها الداخلي، وطبيعة تكوينها
السياسي والاجتماعي، فتكون حواجز صلبة في وجه المشاريع التوسعية، وفي هذا
السياق تبرز الحالة الأردنية بوصفها نموذجاً لدولة تقوم قوتها على حسن
التمركز، أكثر من وفرة الإمكانات، فالأردن رغم محدودية موارده، يمتلك نقطة
ارتكاز مركبة قوية، تتمثل أولاً: في موقعه الجيوسياسي الذي يجعله عند تقاطع
حساس بين بؤر الصراع، مما جعله نقطة تحكم في التوازنات الإٌقليمية، وليس
مجرد ممر، بحيث لا يمكن تجاوز هذه الجغرافيا دون كلفة، وثانياً في تماسكه
المجتمعي أو « المناعة المجتمعية» التي أظهرت عبر التجارب قدراً معتبراً من
الوعي في قضاياه المفصلية، فهناك إجماع وطني راسخ خاصة فيما يتعلق بمسألة
رفض التهجير، واعتبار القضية الفلسطينية جزءاً من الأمن القومي الأردني،
ثالثاً: السياسة المتوازنة التي حافظت على قدر من المرونة دون الوقوع في
استقطابات حادة، والبقاء في موقع قادر على المناورة، هذا التوازن لم يكن
بالمعنى السلبي، بقدر ما هو وعي بطبيعة الصراع وحدود القوة، ومما يكتسب هذا
الدور بعداً إضافياً هو الوصاية الهاشمية على المقدسات، بحيث يمنحه حضوراً
يتجاوز حدوده الجغرافية، ليصبح عنصر توازن في معادلة الاستقرار الفلسطيني،
وحاجزاً أمام محاولات تصفية القضية الفلسطينية أو إعادة تشكيلها خارج
سياقها.
في نهاية المطاف لا يكفى أن نتجنب الصراعات دائماً، لأننا قد نجد أنفسنا
جزءاً منها دون اختيار، ولا يحميها من ذلك إلا امتلاكنا لنقطة ارتكاز
واضحة، وحدها الدول التي تدرك نقطة ارتكازها، وتبني عليها، تستطيع أن تبقى،
أما الدول التي تنشغل بردود الفعل أو تغفل عن بناء ذاتها، فإنها لا تخرج
من الصراع، بل تدخل فيه من أضعف أبوابه.
*باحث في الفكر الإسلامي
ــ الغد