الأخبار

فراس النعسان : إيران وأمريكا: صراع بلا نهاية؟

فراس النعسان : إيران وأمريكا: صراع بلا نهاية؟
أخبارنا :  

تخوض الولايات المتحدة الحرب الحالية ضد إيران في ظرف دولي يختلف جذرياً عن معظم الحروب الكبرى التي قادتها منذ نهاية الحرب الباردة. فحتى الآن، لا يوجد تفويض صادر عن مجلس الأمن يضفي شرعية قانونية جماعية على العمليات العسكرية، ولا تحالف دولي واسع بالصيغة التقليدية التي عرفها العالم في حروب سابقة. هذه الحقيقة ليست تفصيلاً قانونياً، بل عامل سياسي واستراتيجي قد يحدد مدة الحرب واتجاهها.

عندما حصلت حرب تحرير الكويت عام 1991، كان القرار الدولي واضحاً: مجلس الأمن منح تفويضاً باستخدام القوة وحدد هدفاً محدداً زمنياً وسياسياً، ما سمح بتشكيل تحالف واسع تقاسمت دوله الأعباء العسكرية والمالية، والأهم أنه وفر غطاءً سياسياً خفف من الاعتراضات الدولية. أما في الحرب الحالية، فواشنطن تتحرك ضمن تحالف محدود ودعم سياسي غير موحد، الأمر الذي يضعها أمام معادلة مختلفة تماماً.

غياب الغطاء الدولي يجعل استمرار العمليات العسكرية مرتبطاً أساساً بالقدرة الأمريكية الذاتية، وليس بإجماع دولي. وهذا يعني أن الحرب تصبح أكثر عرضة للتقلبات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة نفسها، حيث تتحول كلفة الحرب، الاقتصادية والعسكرية، إلى عامل ضغط مباشر على صانع القرار. وكلما طال أمد العمليات دون إطار دولي جامع، ازدادت صعوبة الحفاظ على زخمها السياسي.

في المقابل، تراقب الدول الأوروبية المشهد بحذر واضح. أوروبا تدرك خطورة التصعيد في المنطقة على أمن الطاقة والتجارة العالمية، لكنها في الوقت نفسه تتجنب الانخراط الكامل في حرب لا تحمل حتى الآن شرعية أممية صريحة. التجربة الأوروبية مع حرب العراق ما زالت حاضرة بقوة؛ إذ دفعت حكومات أوروبية ثمناً سياسياً داخلياً بسبب المشاركة في حرب اعتُبرت لاحقاً فاقدة للإجماع الدولي.

السؤال المطروح الآن ليس فقط ما إذا كانت الحرب ستستمر، بل تحت أي مظلة ستستمر. فإذا بقيت العمليات دون غطاء دولي، فمن المرجح أن تتحول إلى مواجهة طويلة ذات وتيرة متغيرة: ضربات متقطعة، تصعيد محسوب، وردود فعل إقليمية متبادلة، دون حسم سريع. هذا النمط من الحروب يميل إلى الاستنزاف أكثر من الحسم، خصوصاً عندما لا توجد أهداف معلنة تحظى باعتراف دولي واسع.

لكن السيناريو الآخر يبقى ممكناً. فإذا توسعت تداعيات الحرب وبدأت تؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي أو أمن أوروبا، قد تتحرك العواصم الأوروبية نحو توفير دعم سياسي أوسع لواشنطن، ليس بالضرورة عبر مجلس الأمن، حيث يصعب تحقيق توافق دولي، بل من خلال تحالفات متعددة أو أطر سياسية مشتركة تمنح العمليات نوعاً من الشرعية الجماعية. عندها فقط يمكن أن تتحول الحرب من عملية عسكرية محدودة إلى مشروع استراتيجي أكبر بأهداف أكثر وضوحاً.

المعضلة الأوروبية تكمن في أن منح هذا الغطاء يعني عملياً تبني نتائج الحرب أيضاً، بما فيها احتمالات التصعيد الإقليمي الطويل. لذلك تبدو أوروبا حالياً في موقع المراقب الحذر: لا معارضة كاملة للولايات المتحدة، ولا انخراط يمنحها تفويضاً سياسياً شاملاً.

بناءً على ذلك، فإن مستقبل الحرب لا يتوقف فقط على ميزان القوة العسكرية، بل على ما إذا كانت واشنطن ستنجح في تحويل دعمها الحالي إلى شرعية دولية أوسع. فإذا تحقق ذلك، قد تتسارع الأحداث نحو أهداف أكبر. أما إذا استمر غياب الغطاء الدولي، فالأرجح أن العالم أمام حرب طويلة، منخفضة الحسم، تتقدم ببطء تحت سقف إدارة الأزمات لا إنهائها

ــ الدستور

مواضيع قد تهمك