الأخبار

أ. د. سلطان المعاني : حين تُرسم الخرائط بالقوة

أ. د. سلطان المعاني : حين تُرسم الخرائط بالقوة
أخبارنا :  

تُعيد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط فتح واحد من أقدم الجروح السياسية في هذه المنطقة، جرح الخرائط التي صُنعت خارج إرادة أهلها، ثم فُرضت بقوة السلاح وبالدبلوماسية الاستعمارية في عواصم بعيدة، ثم أُلبست بعد ذلك أثوابًا تاريخية ودينية وأخلاقية كي تبدو كأنها قدرٌ طبيعي، مع أنّ الوثائق نفسها تقول إنّ جزءًا كبيرًا من الإقليم الحديث وُلد من اتفاقات تقاسم ونفوذ، وفي مقدمتها اتفاق سايكس–بيكو سنة 1916 الذي مهّد لتوزيع بلادٍ عربية كانت خاضعة للدولة العثمانية بين مناطق نفوذ بريطانية وفرنسية، ثم جاء وعد بلفور سنة 1917 ليمنح الحركة الصهيونية دعمًا بريطانيًا لإنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، قبل أن تُثبت قرارات سان ريمو ونظام الانتداب ذلك المسار على الأرض في أوائل العشرينيات. هذه حقائق موثقة في السجل السياسي الدولي، وهي تقول بوضوح إنّ المنطقة دخلت القرن العشرين من بوابة إعادة تشكيلها من الخارج، ضمن موازين قوة لا ضمن إرادة سكانها.

ومنذ تلك اللحظة، ظلّ منطق القوة يعمل بأسماء متبدلة، مرةً تحت عنوان الانتداب أو تحت عنوان الأمن وتحت عنوان التسوية، ومرةً تحت عنوان الحرب على الإرهاب، أو تحت عنوان الدفاع عن الحق التاريخي أو الوعد المقدس، مع أنّ القراءة الهادئة للتاريخ تكشف أنّ المشاريع الكبرى في هذه المنطقة كثيرًا ما استندت إلى حالات انتقائية من الماضي، وإلى توظيف روايات دينية أو إمبراطورية أو حضارية لتحويل التوسع من فعل سياسي إلى حق مزعوم. وتلك واحدة من أخطر آليات الاستلاب، لأنّها تنتزع الأرض من حاضرها الحي، ثم تعيد تعريفها وفق سردية صيغت لخدمة ميزان قوى قائم، فيغدو الحجر شاهدًا يُستدعى انتقائيًا، ويصير التاريخ مخزنًا للشرعية بدل أن يكون ميدانًا للفهم المركّب. حتى الأمم المتحدة، في مراجعاتها التاريخية لمسألة فلسطين تشير إلى مقدار التعقيد والتناقض الذي رافق الوعود البريطانية، وإلى حجم الأزمة التي ولّدها الانتقال من تعهدات متعارضة إلى واقع سياسي منفجر.

وتأتي الحرب الراهنة لتؤكد أن منطق رسم الخرائط بالقوة ما يزال حاضرًا حتى وإن تغيّرت أدواته. فالمشهد حتى 25 آذار 2026 يقول إن غزة ما تزال مركز الجرح، وإن الحرب اتسعت خلال الأسابيع الماضية إلى مواجهة أمريكية إسرائيلية مع إيران، وتصعيد في لبنان واضطراب في الخليج وتهديد للممرات البحرية والطاقة، بما يجعل السؤال المطروح اليوم أوسع من حدود المعركة المباشرة إلى من يملك حق تعريف الإقليم ويحدد حدود الردع، ويكتب شروط ما بعد الحرب. وقد وصفت تقارير رويترز ووكالات كبرى هذا التصعيد على أنه انتقال من حرب موضعية إلى نزاع يضغط على خرائط النفوذ والاقتصاد والطاقة والأمن معًا، وهو ما يعني أنّ الخرائط في الشرق الأوسط عادت تُرسم بالمسطرة السياسية وبالصاروخ وبالتمركز العسكري وبالقدرة على إنهاك الخصم وإخضاع المجال الحيوي من حوله.

وفي هذا السياق تبدو العبارة العربية التقليدية، الشجب والرفض، واحدة من أكثر العبارات كشفًا لعجز النظام الإقليمي العربي عن تحويل اللغة إلى سياسة. فالمشكلة عبر قرن كامل لم تكن في نقص الشعور ولا في غياب الإدراك، وإنما في ضعف الفعل المنظم وفي الفجوة بين معرفة الخطر وبناء القدرة. لقد امتلك العرب في محطات متفرقة أصواتًا عالية الشرف والكرامة والوضوح، وخرج من بينهم رجال دولة ومفكرون ومقاتلون ومثقفون أدركوا باكرًا طبيعة المشروع الذي يزحف على المنطقة، غير أنّ هذه الأصوات بقيت محدودة الأثر حين افتقدت الحاضنة المؤسسية والاستراتيجية المشتركة والاقتصاد المنتج والقدرة العسكرية الرادعة، والاشتباك الحقيقي مع العالم بلغة المصالح. هكذا تحولت الكتابة في كثير من المراحل إلى شاهد على الخسارة أكثر من كونها أداة من أدوات منعها، وتحول الخطاب الرسمي إلى أرشيف احتجاجات متراكمة، بينما كان الخصوم يبنون وقائع يومية فوق الأرض، يغيرون السكان ويغيرون الخرائط الذهنية ويغيرون اللغة التي يقرأ بها العالم هذا الصراع، وقد تكلم الأردن في هذا، وعلا صوته، ونال تعاطف الشعوب الحرة. ولا تحتاج هذه القراءة إلى جلد الذات لأنّ شيئًا من الواقعية يقتضي الإقرار بأنّ الإقليم العربي تحرك طوال عقود تحت ضغوط هائلة، انقلابات واحتلالات وحروب باردة وحروب أهلية، وتفاوتات اقتصادية قاسية وتبعيات أمنية عميقة، وتشرذم الإرادات العربية، وبقينا نحن بقعة الضوء في خطابنا العربي، والمجتمع الدولي الذي يستمع لنا باحترام، ومع ذلك فإنّ الاعتراف بثقل الظروف لا يُلغي حقيقة أخرى كان على العرب وعيها في من يكتفي برد الفعل يُسلّم المبادرة لخصمه، ومن يؤجل بناء القوة يدفع ثمن التأجيل في سيادته وحدوده واقتصاده وروايته التاريخية. ومن هنا فإنّ القضية اليوم تتجاوز التنديد بالحرب الجارية إلى سؤال أبعد، يتجلى في كيف يُعاد بناء المجال العربي على قاعدة المعرفة والقوة والمصلحة والكرامة، وكيف تنتقل النخب من كتابة المراثي إلى كتابة البرامج، ومن استدعاء التاريخ واستثماره مادة وعي وسياسة واستشراف.

تقف المنطقة في صورتها الراهنة مرة أخرى أمام لحظة تكشف الحقائق بفظاظة شديدة، فالقوى الكبرى ما تزال تتحرك وفق مصالحها، والمشروعات التوسعية ما تزال تستثمر في السردية والتفوق العسكري معًا، والخرائط ما تزال قابلة للتعديل حين يضعف أصحابها، والعالم يصغي أكثر لمن يملك أوراقًا صلبة على الطاولة. وفي المقابل، يبقى للعرب متسع واسع كي يخرجوا من الدور الانفعالي إلى الدور الفاعل عبر دولة قوية ومجتمع حي واقتصاد منتج وتحالفات محسوبة، وخطاب سياسي يعرف كيف يخاطب العالم من موقع الندّية، وقد فعلها الأردن واستمع العالم إلى صوته باحترام، ولكننا اليد الوحيدة التي تشير في المحافل الدولية إلى الوضع ومخاطره ومخارجه. والحقيقة الماثلة للعيان أننا عند نقطة التوحد في المواقف فقط يتغير موقعنا من موضوع يُعاد ترتيبه إلى طرف يشارك في كتابة الترتيب نفسه، وعند تلك النقطة فقط يفقد الشجب مكانه القديم، لأنّ الصوت حين يسنده فعل، يغدو جزءًا من ميزان القوة لا مجرد صدى في هواء مثقل بالخسارات.

مواضيع قد تهمك