الأخبار

د. يوسف منصور : ماذا تعني حرب إيران للأردن؟

د. يوسف منصور : ماذا تعني حرب إيران للأردن؟
أخبارنا :  

في كل مرة ترتفع فيها التوقعات بقرب وقف إطلاق النار، تعود المنطقة لتذكّرنا بأن الحروب لا تنتهي عندما تُطرح المبادرات، بل عندما تتقاطع المصالح. في اللحظة الراهنة، لا يبدو أن هذا التقاطع قد حدث.

 

التسريبات كثيرة، وتتحدث عن هدنة وشيكة تعكس وجود مسار تفاوضي حقيقي، لكنها لا تعني أن الاتفاق جاهز. ما يجري اليوم يمكن أن يسمى تفاوض تحت النار، حيث تحاول الأطراف تحسين شروطها ميدانيًا قبل أن تجلس إلى الطاولة السياسية. ولهذا، فإن السؤال الأهم ليس: هل سيكون هناك وقف لإطلاق النار؟ بل: تحت أي شروط، وعلى حساب من؟.

الولايات المتحدة تدفع نحو التهدئة (خاصة مع الشروخ الداخلية ضمن حزبيها حول مدى تقبل الحرب)، لكنها تهدئة مشروطة. الهدف المعلن إعادة تشكيل سلوك إيران الإقليمي وتقليص قدراتها الاستراتيجية. في المقابل، تسعى إيران إلى تجنب الظهور بمظهر الطرف المهزوم، وتريد وقف القتال دون تقديم تنازلات تمس جوهر نفوذها. أما إسرائيل، فهي تبدو أقل استعجالًا للتهدئة، وأكثر ميلًا إلى استمرار الضغط لتحقيق مكاسب أكبر.

الجميع يريد وقف الحرب، لكن ليس بالشروط نفسها. لذا السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس سلاما سريعا ولا حربا شاملة، بل ما يمكن وصفه ب "التصعيد المحسوب"، أي استمرار العمليات العسكرية ضمن سقف معين، مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة. هذا النوع من الصراعات هو الأخطر اقتصاديًا، لأنه يطيل أمد عدم اليقين دون أن يسمح لأسواق الدول بالتكيّف الكامل مع المتغيرات.

هذه الأزمة ليست بعيدة بالنسبة للأردن. صحيح أن المملكة ليست طرفًا مباشرًا في الصراع، لكنها تقع في قلب شبكة الوقع الاقتصادي المرتبطة بالصراع. فالخطر الأكبر لا يأتي من الصواريخ، بل من النفط، والشحن، والثقة الاقتصادية.

أي تهديد للإمدادات عبر مضيق هرمز سينعكس فورًا على أسعار النفط عالميا. ففي اقتصاد مستورد للطاقة كالاقتصاد الأردني، لا تحتاج الأزمة إلى وقت طويل حتى تظهر آثارها السالبة على كلف النفط والكهرباء والنقل في الأردن. ومع استمرار الأسعار فوق مستويات مرتفعة، يتحول الضغط من كونه مؤقتًا إلى عبء هيكلي على المالية العامة.

كما أن أي تعطّل في أو ارتفاع كلفة النقل عبر باب المندب لا يعني فقط زيادة أسعار السلع المستوردة، بل أيضًا تأخير وصولها، ما يضغط على القطاع الصناعي وسلاسل الإمداد. ومع تزايد المخاطر في الممرات البحرية، تصبح تكلفة "عدم اليقين" أعلى من تكلفة النقل نفسها، إذ تشجع على رفع تكاليف التأمين والتحوط الزائد وبالتالي انحسار العرض.

ومن ناحية ثالثة، وربما تكون الأكثر حساسية، سيكون الأثر على السياحة والثقة الاستثمارية. ففي منطقة مشتعلة، لا يميّز السائح كثيرًا بين دولة مستقرة وأخرى متوترة. يكفي أن ترتبط المنطقة في الذهن العالمي بكلمة "حرب" حتى تبدأ الحجوزات بالتراجع، والاستثمارات بالتأجيل. وهذا مهم للأردن، حيث تمثل السياحة أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، كما أن الاستثمارات مهمة للمشاريع المطروحة.

النتائج ليست كارثة، لكن لا يجب بأي حال تجاهلها. لهذا، فإن التحدي الذي يواجه الأردن ليس عسكريًا، بل اقتصادي بامتياز: كيف يمكن امتصاص صدمة خارجية لا نتحكم بها؟ بداية، أتوقع أن يكون السيناريو الأكثر ترجيحًا خلال الأسابيع القادمة هو استمرار التصعيد ضمن حدود، دون انزلاق إلى حرب شاملة. مما يعني بالنسبة للأردن نمو أبطأ لهذا العام (حوالي 2.1%)، تضخم أعلى(يتراوح بين 3% إلى 4%)، ارتفاع البطالة الى 22.8%، وضغط متزايد على الموازنة (ارتفاع العجز الى 5.4%).

في مثل هذه الظروف، تصبح السياسة الاقتصادية أداة دفاع أولى. إدارة صدمة الطاقة يجب أن تكون أولوية، سواء عبر أدوات التحوط، أو سياسات تسعير أكثر مرونة، أو تعزيز الاعتماد على مصادر بديلة. كذلك، تحتاج المالية العامة إلى رفع مستويات الانضباط مع تركيز توجيه الانفاق لتعظيم أثره للحفاظ على الثقة في الاقتصاد.

كما يجب التحرك سريعًا لحماية القطاعات الأكثر تعرضًا، وعلى رأسها السياحة. الحملات الترويجية، والحوافز، والتأكيد على استقرار الأردن، كلها أدوات ضرورية لتقليل أثر الحرب في المنطقة على الأداء المحلي. كما أن تأمين سلاسل الإمدادعبر تنويع مصادر الاستيراد وتعزيز المخزون الاستراتيجيليس خيارًا بل ضرورة.

الأهم من كل ذلك هو الإدراك بأن هذه الأزمة قد لا تكون قصيرة. التصعيدقد يكون طويل نسبيًا، لأنه يقوم على موازنة دقيقة بين الضغط والتفاوض. وهذا يعني أن السياسات يجب أن تُبنى على أساس الاستمرارية والاستدامة، لا على أمل انتهاء سريع للأزمة.

في النهاية، المنطقة اليوم قد لا تكون على أعتاب سلام سريع، ولا في حرب شاملة مؤكدة. هي في مرحلة أكثر تعقيدًايمكن أن تنزلق في أي اتجاه. وبينما تتنافس القوى الكبرى على رسم ملامح ما بعد الحرب، يبقى على دول مثل الأردن أن تركز على ما تستطيع التحكم فيه، وهوتعزيز مرونتها الاقتصادية، وتقليل تعرضها للصدمات الخارجية.ففي عالم مضطرب، لا يكفي أن تكون بعيدًا عن الحرب…بل يجب أن تكون مستعدًا لتداعياتها.

مواضيع قد تهمك