رمزي الغزوي : سجناء القوالب الجاهزة
لا
تسقط الأقنعة في أتون الأزمات العاصفة، إنما تتهاوى معها حصون العقل؛
فالحروب لا تكشف عن موازين القوى العسكرية قدر كشفها عن عوار المنظومات
الفكرية وهشاشة البناء القيمي لدى المتحاربين والمشاهدين. فمع وسط ألسنة
النيران وتصاعد الأدخنة، تتفسخ القوالب الذهنية التي استوطنت الرؤوس ردحاً
من الزمن، فتتجلى لا كأدوات للفهم السوي إنما كذرائع يسوغ بها كل واحد وجهة
نظره. وهنا يتبدى جوهر الحكاية مع إيران.
المنطق
السوي يقتضي أن أي عدوان يطال الحياض العربية يواجه برفض قاطع، لا يحتاج
إلى تنظير متكلف أو التواء لغوي، غير أن واقع الحال يشي بمرارة أخرى؛ إذ
تعلو أصوات لا لتدين أن نسبة الصواريخ المطلقة على دول الخليج والأردن تقدر
ب84% من مجموع الصواريخ التي أطلقتها إيران في هذه الحرب. تلك الأصوات فقط
تؤول، وتلتمس مخارج أخلاقية لأفعال تأبى التجميل. ويكمن السر في ذلك
"القالب" الذي يشطر العالم إلى فسطاطين لا ثالث لهما، واضعاً إيران
تلقائياً في خندق واحد مع المبررين، ومسبغاً عليها حصانة مضمرة تجعل كل فعل
صادر عنها خاضعاً لإعادة القراءة ضمن سردية مواجهة "العدو الآخر"؛ وهكذا
يستحيل العدوان في نظرهم توازناً، والتهديد موقفاً مبدئياً، فالفعل ثابت،
بيد أن زاوية الرؤية هي التي تتبدل تحت وطأة خطاب اختزل السياسة في شعار،
وحصر التاريخ في رواية آحاد.
والمفارقة
تكمن في أن النائي عن لظى التهديد هو الأكثر عرضة للارتهان لهذا الفخ، إذ
تولد المسافة برودة في الشعور تفتح الباب على مصراعيه أمام التنظير الأجوف،
بينما من يقاسي وطأة الخطر لا يحتاج إلى قالب ليفهمه، فالواقع لديه عيان
لا يقبل التأويل. هنا تتجسد خطورة القوالب؛ فهي لا تحجب وجه الحقيقة بقدر
ما تعيد صياغة الحس الأخلاقي، فتجعل المرء يراوح في منطقة رمادية يستوي
فيها الضحية والفاعل، أو يغض الطرف عن أحدهما، ليصبح الموقف في نهاية
المطاف صدى لخطاب عتيق يعاد إنتاجه.
بالطبع
المعضلة تتجاوز التباين السياسي، فنحن إزاء أزمة في الإدراك، ومحنة في
الثقافة، وعجز عن مجابهة الذات. فهل نملك الجرأة لنقر بأن القوالب تخوننا
أحياناً؟ وهل نستطيع رؤية إيران بغير تلك العدسات المعلبة؟ لعل الاعتراف
يمثل عتبة الطريق، ولعل السؤال الأهم يبقى: كم من حقيقة أهدرت ونحن نذود عن
قوالب لم نصنعها أصلاً؟