الأخبار

د. اسمهان ماجد الطاهر : في ذكرى الكرامة… حين يلتقي الصمود بوجع الحاضر

د.  اسمهان ماجد الطاهر : في ذكرى الكرامة… حين يلتقي الصمود بوجع الحاضر
أخبارنا :  


الدكتورة أسمهان ماجد الطاهر

تعود ذكرى معركة الكرامة هذا العام، محمّلة بثقل اللحظة الراهنة، حيث يختلط الألم بالأمل، وتتعانق الذاكرة مع واقعٍ عربيٍّ يزداد اضطرابًا وتعقيدًا. لم تعد الكرامة مجرد ذكرى تاريخية، بل أصبحت مرآة نرى فيها أنفسنا، ونقيس بها قدرتنا على الصمود في زمن تتكاثر فيه الأوجاع.

في الحادي والعشرين من آذار عام 1968، سطر
الأردنيون والفلسطينيون صفحة مضيئة في تاريخ الأمة، حين وقفوا معًا في وجه العدوان، وأثبتوا أن الإرادة قادرة على تغيير موازين القوى، مهما بدا الفارق في الإمكانيات كبيرًا. لم تكن معركة الكرامة مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت لحظة وعي جمعي أعادت الثقة للأمة بعد نكسة قاسية، وأكدت أن الانكسار ليس قدرًا دائمًا.

واليوم، ونحن نستحضر تلك المعاني، نجد أنفسنا أمام واقع إقليمي يموج بالعنف والحروب، حيث لم تعد الصراعات تقتصر على حدود، بل امتدت لتطال الإنسان في أمنه وكرامته ولقمة عيشه. إن ما نشهده من حروب متلاحقة لا يحقق نصرًا لأي طرف، بل يخلّف دمارًا واسعًا، ويستنزف مقدرات الشعوب، ويبدد ثروات كان يمكن أن تكون سبيلًا لإنقاذ ملايين الفقراء حول العالم.

لقد أثبتت التجارب أن الحروب، مهما طال أمدها، لا تخلق استقرارًا، بل تورث أجيالًا مثقلة بالخسائر، وتفتح أبوابًا جديدة للصراعات. وبينما تُنفق المليارات على أدوات الدمار، تظل شعوب بأكملها تعاني الفقر والحرمان، وكأن العالم اختار أن يغذي الصراع بدل أن يغذي الإنسان.

وفي هذه الذكرى، التي تتزامن مع يوم الأم، نقف بإجلال أمام الأمهات، خاصة أمهات الشهداء، اللواتي قدّمن أعظم التضحيات. هنّ اللواتي حملن أبناءهن حبًا، وودعنهم فخرًا، وعشن الألم صبرًا. إنهنّ عنوان الكرامة الحقيقي، وصورة الصمود التي لا تنكسر، مهما اشتد الفقد.

تحية لكل أمٍّ كانت شريكة في صناعة الكرامة، ولكل أمٍّ ما زالت تزرع الأمل في زمن القسوة، ولكل أم شهيد احتضنت الحزن وحوّلته إلى قوة دعاء وصبر.

إن استذكار معركة الكرامة اليوم ليس مجرد استحضار لماضٍ مجيد، بل هو دعوة لإعادة قراءة الحاضر، وفهم أن الكرامة لا تتحقق بالحرب وحدها، بل بالعدل، وببناء الإنسان، وبصون الحقوق، وبإعلاء قيمة الحياة.

ستبقى الكرامة رمزًا، لا لمعركة انتهت، بل لفكرة مستمرة: أن صاحب الحق لا يُهزم، وأن الشعوب التي تعرف معنى الكرامة، قادرة دائمًا على النهوض، مهما تعثرت.
حمى الله أوطاننا، وحفظ فينا نوايا الخير، وجعل من هذه الذكرى نورًا نهتدي به نحو مستقبل أكثر عدلًا وإنسانية.
a.altaher@meu.edu.jo

مواضيع قد تهمك