الأخبار

عاطف أبوحجر : شجرة عديلي

عاطف أبوحجر : شجرة عديلي
أخبارنا :  

عاطف أبو حجر

ليس كلُّ عديلٍ تُرفع له القبعة، ولا كلُّ من حمل هذا اللقب يُشار إليه بالبنان عند اشتداد المواقف وثقل الواجبات؛ فبيننا هناك عديلٌ بالاسم فقط، وفي المقابل هناك عديلٌ بمعنى الكلمة، رجلٌ إذا ذُكرت النخوة حضر، وإذا نادى الواجب أجاب، يحمل من الخصال الطيبة ما يجعلك تعيد تعريف القرابة على أساس الأخلاق لا المصاهرة.

وبين هؤلاء وأولئك، خرجتُ من الدنيا – حتى اللحظة – بعديلٍ أزهو به، وأتفاخر بوجوده كما يتفاخر الناس بالممتلكات الثمينة. ذلك الإنسان المحظوظ – ولا أقول هذا عبثًا – بزواجه لسببين لا ثالث لهما:
أولهما ارتباطه بزوجة طيبة صالحة، وثانيهما – وهو الأهم بطبيعة الحال – أني عديله وهو عديلي!

يقيم عديلي في دولة الإمارات منذ سنوات، وتحديدًا في إمارة دبي، حيث يبدو أن الإقامة هناك قد راقت له، لمحبته لعمله وزملائه وحبِّهم له، فأينما وُجدت الراحة النفسية وُجد الاستقرار. ورغم مشاغل الحياة، فإن تواصلنا لا ينقطع في المناسبات، لأننا – ولله الحمد – لم نصل بعد إلى مرحلة "الاتصال للمصلحة فقط"، فأنا لا أنتظر منه زجاجة عطر فاخر ولا ساعة سويسرية، بل يكفيني هذا التواصل الصادق في زمن تحول فيه البعض إلى ممثلين محترفين ينقصهم شركة إنتاج تبرز مواهبهم.

وقد أخبرني عديلي ذات يوم عن شجرة كبيرة أمام بيته، شجرة ليست كغيرها، بل تكاد تكون "مؤسسة بيئية مستقلة" لها فروع من الدهشة لا من الخشب فقط.

ففي العام الماضي، استقبلت هذه الشجرة خلية نحل، وكأنها قررت أن تدخل مجال الإنتاج الزراعي دون استئذان الجهات المختصة. ولم تكتفِ بذلك، بل احتوت أعشاش طيور، بعضها – على ما يبدو – جاءها بتأشيرة سياحية مفتوحة.

أما هذا العام، فقد بلغت المفاجآت ذروتها، حين ظهر سنجاب صغير يسكن الشجرة، وكأنها أعلنت نفسها رسميًا "منتجعًا للحياة البرية"، شاملًا خدمات الإقامة والإطعام.

وهنا، لا يسعنا إلا أن نتأمل الرسائل الكامنة في هذه الحكاية:
خلية نحل تذكرنا بالعمل،
وأعشاش طيور تعلمنا معنى الألفة،
وسنجاب صغير يعيد إلينا براءة البدايات.

لكن الأجمل من كل ذلك، هو عديلي الذي لم يقف موقف المتفرج، بل أصبح يضع حبات الجوز للسنجاب، وحفنات الطعام للطيور، وكأنه وزير تموين لهذه الشجرة المباركة.

وفي الختام، أقول لعديلي: أنت إنسان بمعنى الكلمة وصاحب واجب.
جزاك الله خيرًا بكل حبة جوز وضعتها، وكل لقمة قدمتها، فربما لا تعلم أن شجرتك لم تكتفِ باحتواء الطيور والنحل والسناجب فحسب، بل أثمرت أيضًا قصة تُروى، وابتسامة تُهدى، وعديلًا يُفتخر به… في زمن قلّت فيه الأشجار، وكثر فيه الحطابون.

مواضيع قد تهمك