الأخبار

عماد داود يكتب : حين يصبح الجرح سلاحًا إيران: الرهينة التي تمسك بعنق البحر

عماد داود يكتب : حين يصبح الجرح سلاحًا إيران: الرهينة التي تمسك بعنق البحر
أخبارنا :  

عماد داود

لم يحدث في التاريخ الحديث أن تحوّل جرحٌ إلى رهينة بهذه السرعة، ولا أن رهينةً أمسكت بعنق البحر بهذا الهدوء. إيران اليوم لا تخوض حربًا بالمعنى الكلاسيكي — إنها تُدير جرحها بحرفية من يعلم أن الجرح المكشوف، حين يقع في المكان الصحيح، يُوجع من يراه أكثر مما يوجع صاحبه. وهرمز هو المكان الصحيح!
أحد عشر ميلًا من الماء الضيق تفصل بين اقتصادات ومصائر ودول لم تُعلن على إيران حربًا. حين أغلقت طهران هذا المضيق لم تكن تمارس ورقة ضغط تكتيكية عابرة — كانت تُعلن بصوت هادئ أن انهيارها لن يكون حدثًا إقليميًا يحتفل به الأعداء في غرف مغلقة، بل زلزالًا تُحسّ ارتداداته في موانئ شنغهاي قبل أن تُحسّ في طهران. الجريح الذي يمسك بعنق البحر لا يمسك مياهًا — يمسك أعناق من لم يُعلنوا عليه حربًا!
الصين فهمت الرسالة بالطريقة التي تفهم بها القوى الكبرى الرسائل الحقيقية: لا بالكلمات، بل بالأرقام. ستة وأربعون مليون برميل من النفط الإيراني تعوم جنوب مياهها، وأضعافها مخزّنة في موانئها الجمركية. سفنها توقفت عند أطراف المضيق المغلق ساكنةً كمن يقرأ تحذيرًا لم يكن في حسبانه. بكين لم تتدخل لأنها حسبت أن التدخل أكثر كلفة من الانتظار — لكن الانتظار نفسه كان اعترافًا: واشنطن تشعل حربًا تُلقي فواتيرها على من لم يُصوّت لها!
روسيا تُراقب من مكان أبعد وأهدأ. كل يوم يمتد فيه الجرح الإيراني مفتوحًا هو يوم ترتفع فيه أسعار النفط، وتنصرف فيه واشنطن عن ملفات أخرى، وتتأخر فيه صفقة أوكرانيا التي يريدها ترامب منتصرًا لا مُسوِّيًا. موسكو لا تدعم إيران — إنها تستفيد من جرحها بأناقة من لا يُلطّخ يديه ولا يُخلي ساحته!
هنا لا بد من وقفة يفرضها الضمير قبل أن يفرضها المنهج. كاتب هذه السطور ليس محايدًا تجاه النظام الإيراني — فقد كتب في مناسبات سابقة ما يُدين ثيوقراطيته الاستبدادية، ويرفض احتكاره الديني، ويُحاسبه على ما أنفقه من أجساد الآخرين في حروب لم يُستأذنوا فيها يومًا. لكن تحليل سلوك دولة في لحظة حرب شيء، وتبنّي سرديتها شيء آخر تمامًا. الأول واجب الفهم، والثاني خيانة للحقيقة — وبينهما مسافة لا يعبرها إلا من يعرف أين يقف!
في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، حين سقط خامنئي، توقّع كثيرون أن يسقط معه النظام. لم يحدث ذلك — وهذا بحد ذاته كان أول رسائل إيران في هذه الحرب: الدولة التي وُصفت بأنها مبنيّة حول رجل واحد أثبتت أنها مبنيّة حول جهاز. والجهاز الذي يعمل في العتمة لا يحتاج إلى ضوء ليستمر. انتقلت السلطة بهدوء من أعدّ لهذا السيناريو منذ أمد بعيد — وربما كان يتمنى أن يُختبر به!
غير أن البقاء وحده لم يكن كافيًا، ولم يكن يومًا هو الهدف. ما تريده إيران ليس أن تُثبت أنها حية — بل أن تُثبت أن موتها أكثر كلفةً من حياتها! هذا هو منطق الرهينة بعينه: لا قيمة للرهينة المُسلَّمة، وكل قيمتها في أنها محتجزة. وإيران تحتجز شيئًا لا يُعوَّض — مضيقًا يمر عبره خُمس نفط الأرض، وذراعًا إقليمية تعلم أن شرارةً واحدة في المكان الخطأ تكفي لتغيير حسابات ربع السنة الأخير في بورصات لا ناقة لها في الحرب ولا جمل!
وزير خارجيتها عراقجي لا يُبالغ حين يرفض الحديث عن تفاوض بلا ضمانات. الرجل يحمل في ذاكرته ضربتين جاءتا في قلب مفاوضتين — الأولى في يونيو وسط جولة تفاوض، والثانية في فبراير وسط جولة أخرى. من يتفاوض مع من يضرب أثناء التفاوض لا يتفاوض — يستسلم بالتقسيط! وإيران قرّرت ألا تدفع هذه الفاتورة بعد اليوم.
السؤال الحقيقي الذي يجلس اليوم على طاولة القرار في طهران ليس متى تتوقف الحرب — بل متى يتحوّل وقف إطلاق النار من استسلام إلى تسوية. الفارق بين الكلمتين ليس لغويًا بل وجودي: الاستسلام يجعلك رهينة الآخرين، والتسوية تجعل الآخرين يتقاسمون ثمن إطلاق سراحك. إيران تريد أن تكون في الخانة الثانية — وهرمز المغلق هو ورقتها الوحيدة لبلوغ ذلك!
التاريخ لا يُسجّل كل ما يُكتب — يُسجّل فقط ما فهم زمنه قبل أن يمر. وما يفهمه هذا الزمن هو أن إيران جريحة تمسك بعنق البحر، ورهينة تحتجز من اعتقدوا أنهم يحتجزونها. وفي السياسة الدولية، الجريح الذي يمسك بعنق البحر لا يُسمى مهزومًا — يُسمى ثمنًا لم يكتمل دفعه بعد!

مواضيع قد تهمك