الأخبار

السفير د. موفق العجلوني : ممر الهند – الشرق الأوسط – أوروبا .. بين طموح الجغرافيا الاقتصادية وصراع القوى الكبرى

السفير د. موفق العجلوني : ممر الهند – الشرق الأوسط – أوروبا .. بين طموح الجغرافيا الاقتصادية وصراع القوى الكبرى
أخبارنا :  

لم يعد الحديث عن طرق التجارة العالمية مجرد نقاش اقتصادي تقني، بل أصبح جزءًا من الصراع الاستراتيجي على النفوذ في القرن الحادي والعشرين. فالممرات التجارية اليوم هي شرايين القوة الدولية، ومن يتحكم بها يمتلك قدرة أكبر على التأثير في حركة الاقتصاد العالمي. وفي هذا السياق جاء الإعلان عن India–Middle East–Europe Economic Corridor خلال G20 New Delhi Summit 2023 ليعكس تحولًا مهمًا في التفكير الاستراتيجي لدى القوى الغربية وحلفائها.

المشروع، الذي يهدف إلى ربط الهند بأوروبا عبر شبكة من الموانئ والسكك الحديدية وخطوط الطاقة وكابلات البيانات تمر عبر الخليج والمشرق العربي، لا يمثل مجرد مشروع بنية تحتية، بل محاولة لإعادة رسم خريطة التجارة العالمية. غير أن الطريق نحو تحقيق هذا المشروع محفوف بتحديات جيوسياسية كبيرة، خاصة في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة والتنافس العالمي المتزايد بين الولايات المتحدة والصين.

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تشكلت حركة التجارة والطاقة العالمية حول عدد محدود من الممرات البحرية الحساسة. ويأتي في مقدمتها مضيق هيرمز " Strait of Hormuz " و باب المندب " Bab el-Mande " ، إضافة إلى قناة السويس Suez Canal . هذه الممرات تمثل ما يعرف في الجغرافيا السياسية بـ " نقاط الاختناق "، حيث تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة العالمية، خاصة النفط والغاز.

ففي مضيق هرمز وحده يعبر نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا في العالم، ما يجعله أحد أكثر الممرات حساسية في النظام الاقتصادي الدولي.

غير أن الأزمات الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة كشفت هشاشة هذا النظام. فقد أدى التوتر في البحر الأحمر إلى تراجع كبير في حركة التجارة عبر قناة السويس، وارتفاع ملحوظ في تكاليف النقل والتأمين. كما أعادت التوترات المتصاعدة في الخليج طرح سؤال قديم جديد: ماذا سيحدث للاقتصاد العالمي إذا تعطلت هذه الممرات الحيوية؟

في هذا السياق يبرز ممر الهند – الشرق الأوسط – أوروبا " IMEC " بوصفه مشروعًا يتجاوز فكرة الطريق التقليدي. فالممر المقترح يجمع بين النقل البحري والبري في منظومة متكاملة تبدأ من الموانئ الهندية، مرورًا بموانئ الخليج ، ثم عبر شبكة سكك حديدية تمتد نحو المشرق العربي وصولًا إلى البحر المتوسط ومنها إلى أوروبا.

لكن الأهمية الحقيقية للمشروع لا تكمن في تقليص زمن النقل بين الهند وأوروبا فحسب – والذي يُتوقع أن ينخفض بنحو 40 في المائة – بل في طبيعة البنية التي يقترحها المشروع. فالممر لا يقتصر على نقل البضائع، بل يشمل أيضًا خطوطًا لنقل الطاقة النظيفة مثل الهيدروجين، إضافة إلى كابلات البيانات التي تربط آسيا بأوروبا.

هذه الفكرة تتقاطع مع ما طرحه " معالي وزير الزراعة الأسبق المهندس سعيد المصري " في قراءته الاستراتيجية لمسألة الممرات في مقاله المنشور في عمون الغراء بتاريخ ١٢/٣/٢٠٢٦ بعنوان " من مضائق الاختناق إلى ممرات الشبكة " . فالمشكلة، كما يرى، ليست في غياب البدائل، بل في اعتماد الاقتصاد العالمي على ممرات أحادية الوظيفة. ولذلك فإن الحل لا يكمن في استبدال مضيق بآخر، بل في بناء شبكة متكاملة من الممرات البرية والبحرية والطاقية والرقمية. بهذا المعنى يمكن النظر إلى ممر IMEC باعتباره محاولة لإعادة تصميم هندسة التدفقات الاقتصادية في المنطقة. غير أن الطموحات الاقتصادية الكبرى تصطدم دائمًا بالواقع السياسي. فالشرق الأوسط الذي يمر عبره الممر المقترح يعد من أكثر مناطق العالم تعقيدًا من حيث التوازنات الجيوسياسية.

فالممر يعتمد على تعاون عدة دول في الخليج والمشرق العربي، كما يمر عبر مناطق تشهد توترات مزمنة. ولذلك فإن أي تصعيد عسكري في المنطقة قد يهدد استقرار المشروع. وفي حال اندلاع مواجهة واسعة في الخليج ( كما هو حاصل الان ) قد يتعرض مضيق هرمز للإغلاق أو الاضطراب، بينما قد تؤدي التوترات في البحر الأحمر إلى تعطيل الملاحة عبر باب المندب وقناة السويس.

هذه السيناريوهات ليست مجرد فرضيات نظرية؛ بل أصبحت جزءًا من النقاش الاستراتيجي العالمي حول أمن الطاقة والتجارة. ففي عالم يعتمد على التدفقات السريعة للسلع والطاقة، يمكن لأي اضطراب في هذه الممرات أن يترك آثارًا عميقة على الاقتصاد العالمي. ومن هنا تظهر المفارقة: فالممر الجديد قد يصبح أكثر أهمية في أوقات الأزمات، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى قدر كبير من الاستقرار السياسي لكي يرى النور.

لا يمكن فهم ممر IMEC بمعزل عن السياق الأوسع للتنافس بين القوى الكبرى. فالمشروع يأتي في وقت تواصل فيه الصين توسيع نفوذها الاقتصادي عبر مبادرة Belt and Road Initiative، المعروفة بالحزام و طريق الحرير الجديد.

أطلقت الصين هذه المبادرة عام 2013 بهدف إنشاء شبكة واسعة من الطرق والسكك الحديدية والموانئ التي تربط آسيا بأوروبا وإفريقيا. ومنذ ذلك الحين أصبحت المبادرة أحد أهم أدوات السياسة الخارجية الصينية.

من وجهة نظر العديد من المراقبين، يمثل ممر IMEC محاولة غربية لخلق توازن مع النفوذ الصيني المتزايد. فالممر يربط بين الهند – التي تعد منافسًا اقتصاديًا صاعدًا للصين – وبين أوروبا عبر الشرق الأوسط، وهو ما قد يعيد رسم بعض مسارات التجارة العالمية.

لكن الصين لا تنظر إلى هذا المشروع بالضرورة باعتباره تهديدًا مباشرًا، بل كجزء من تعددية الممرات العالمية. فبكين تدرك أن الاقتصاد العالمي يتجه نحو شبكة واسعة من الطرق التجارية، وليس طريقًا واحدًا. ومع ذلك فإن المنافسة الجيوسياسية بين واشنطن وبكين تمنح هذا المشروع بعدًا يتجاوز الاقتصاد، ليصبح جزءًا من الصراع الأوسع على النفوذ العالمي.

بالنسبة لدول المنطقة، وخاصة الأردن والسعودية والإمارات، قد يشكل المشروع فرصة استراتيجية لإعادة تعريف دورها في الاقتصاد العالمي. فالموقع الجغرافي للأردن، على سبيل المثال، يجعله نقطة عبور طبيعية بين الخليج والبحر المتوسط، ما يتيح له التحول إلى مركز لوجستي إقليمي إذا ما جرى تطوير البنية التحتية اللازمة.

أما السعودية والإمارات فتمتلكان قدرات مالية ولوجستية كبيرة تمكنهما من لعب دور محوري في الممر الجديد، خاصة في مجالات الطاقة والموانئ والنقل.

لكن تحويل هذه الفرص إلى واقع يتطلب استثمارات ضخمة وتعاونًا سياسيًا طويل الأمد، وهو أمر ليس مضمونًا في منطقة تتسم بتقلبات سياسية مستمرة.

يبدو العالم اليوم وكأنه يدخل مرحلة جديدة من "سياسة الممرات”. فبعد عقود من العولمة التي اعتمدت أساسًا على النقل البحري، بدأت القوى الكبرى تعيد التفكير في هندسة التجارة العالمية عبر إنشاء شبكات متعددة من الطرق البرية والبحرية والرقمية. في هذا السياق يمثل ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا محاولة طموحة لإعادة رسم خريطة التجارة بين آسيا وأوروبا. لكنه في الوقت نفسه يعكس التنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين على النفوذ الاقتصادي العالمي.

المخاطر هنا لا تتعلق بالممر ذاته، بل بالبيئة الاستراتيجية التي يتحرك فيها. فإذا تحول التنافس بين واشنطن وبكين إلى مواجهة اقتصادية أو جيوسياسية أكثر حدة، فقد تتحول مشاريع البنية التحتية العالمية إلى أدوات للصراع بدلًا من أن تكون جسورًا للتعاون. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فالممرات التي يفترض أن تسهل حركة التجارة قد تصبح في بعض الأحيان خطوط تماس بين القوى الكبرى.

ولذلك فإن مستقبل ممر IMEC لن يتحدد فقط بقدرته على تقليل زمن النقل أو تحسين الربط الاقتصادي، بل بقدرته أيضًا على التكيف مع عالم يتجه نحو تعددية الممرات وتنافس القوى الكبرى. وفي مثل هذا العالم، لن يكون السؤال من يملك الطريق فحسب، بل من يملك القدرة على إدارة شبكة الطرق دون أن تتحول إلى ساحات صراع دولي.

في النهاية، لم تعد المسألة تتعلق ببناء طريق جديد للتجارة بقدر ما تتعلق بإعادة صياغة الجغرافيا الاقتصادية للعالم. فالأزمات المتكررة في مضيق هيرمز Strait of Hormuz و باب المندبBab el-Mandeb ، كشفت حقيقة استراتيجية لم يعد بالإمكان تجاهلها: الاقتصاد العالمي لا يزال رهينة عدد محدود من نقاط الاختناق الجغرافية، وأن أي اضطراب فيها يمكن أن يتحول بسرعة إلى أزمة طاقة وتجارية عالمية.

ومن هنا تبرز أهمية ممر الهند – الشرق الأوسط – أوروبا India–Middle East–Europe Economic Corridor ليس باعتباره مجرد مشروع بنية تحتية، بل كمحاولة لإعادة توزيع المخاطر في النظام الاقتصادي الدولي. فالفكرة الأساسية للممر ليست استبدال طريق بآخر، بل الانتقال من منطق "الممر الواحد” إلى منطق "الشبكة المتعددة المسارات”، حيث تتكامل الطرق البرية والبحرية وخطوط الطاقة وكابلات البيانات في منظومة واحدة أكثر قدرة على الصمود.

غير أن هذا التحول لا يحدث في فراغ سياسي. فالعالم يقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من التنافس الاستراتيجي بين القوى الكبرى، حيث تتقاطع مشاريع البنية التحتية مع حسابات النفوذ الجيوسياسي. ففي الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة وشركاؤها إلى تطوير ممرات جديدة مثل IMEC، تواصل الصين توسيع حضورها العالمي عبر Belt and Road Initiative، في سباق صامت لإعادة رسم خريطة التجارة الدولية.

الخطر هنا لا يكمن فقط في التنافس بين المشاريع، بل في احتمال تحول الممرات الاقتصادية إلى خطوط تماس جيوسياسية. فإذا تحولت مشاريع الربط الإقليمي إلى أدوات للمنافسة بين القوى الكبرى، فقد يجد العالم نفسه أمام شبكة من الطرق المتنافسة بدلًا من شبكة متكاملة تخدم التجارة العالمية.

ومع ذلك، فإن التحولات الجارية تحمل فرصة تاريخية لمنطقة الشرق الأوسط. فإذا نجحت دول الخليج والمشرق في تحويل موقعها الجغرافي من ساحة صراعات إلى عقدة وصل اقتصادية، فإنها قد تنتقل من موقع الهامش في الاقتصاد العالمي إلى موقع القلب في شبكة الممرات الجديدة. وهنا تكمن الرسالة الأعمق التي يلمّح إليها النقاش حول IMEC . المستقبل لن يكون لمضيق واحد أو طريق واحد، بل لشبكة مترابطة من الممرات التي تعيد توزيع المخاطر وتمنح الاقتصاد العالمي قدرًا أكبر من المرونة.

غير أن تحقيق هذا المستقبل يتطلب ما هو أكثر من الاستثمار في السكك الحديدية والموانئ وخطوط الطاقة. فهو يتطلب قبل كل شيء بناء حد أدنى من الاستقرار السياسي الإقليمي، لأن الممرات لا يمكن أن تعمل في بيئة دائمة التوتر. وفي عالم يتجه نحو تعددية الممرات وتنافس القوى الكبرى، سيبقى السؤال الحاسم ليس فقط من يبني الطرق، بل من يستطيع أن يحافظ عليها مفتوحة وآمنة في زمن الاضطرابات الجيوسياسية.

* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية

muwaffaq@ajlouni.me

مواضيع قد تهمك