الأخبار

مصطفى البرغوثي : أهداف إسرائيل فرض التطبيع

مصطفى البرغوثي : أهداف إسرائيل فرض التطبيع
أخبارنا :  

حواره سعيد ابو معلا :

يرى مصطفى البرغوثي الأمين العام لحركة «المبادرة الوطنية الفلسطينية» إن إسرائيل لن تتمكن من تحقيق أهدافها والتي تتمثل بالتطهير العرقي في الأراضي الفلسطينية، لا في غزة ولا في الضفة الغربية، وذلك على إيقاع الحرب الإقليمية في المنطقة.
وهو يخلص في حديث مع «القدس العربي» إلى أن الحرب التي «أطاحت بقضية فلسطين ووضعتها على الرف، ستعيد قضية فلسطين أكبر وأوضح من أي وقت مضى».
ويرى في حديثه أن الثابت في هذه الحرب المدمرة هو «عدم وجود صحة للأهداف المعلنة، بل الأساس الجوهري لها هو محاولة فرض هيمنة إمبريالية إسرائيلية على المنطقة».
ويرى البرغوثي أن إسرائيل «نجحت في جر ترامب في هذه الحرب»، وأنه مهما كانت نتائج الحرب على إيران فإن القضية الفلسطينية ستبقى حية، فهو يرى أن «بقاء القضية لا يعتمد على دولة ما أو أطراف محددة، بل يعتمد على الشعب الفلسطيني نفسه»، وفيما يلي نص الحوار:

□ الحرب أو العدوان الأمريكي والإسرائيلي على إيران، ورغم مقولات الانتهاء، تبدو وكأن هناك احتمالات كثيرة لتمتد وتطول، كيف تقرأ هذه الحرب؟ وأين يمكن أن تذهب بنا؟
■ هذه حرب خطيرة، ألحقت وستلحق ضرراً بجميع دول المنطقة من دون استثناء، والمسؤول الأول والأخير هو العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران، وأنا أرى أن إسرائيل نجحت في جر ترامب والولايات المتحدة الأمريكية في هذه الحرب خلفها لافتعال هذه الحرب المدمرة التي لا معنى لها. المحور الرئيسي في الدافع لهذه الحرب هو رغبة إسرائيل والمنظومة الإسرائيلية وتحديداً نتنياهو في أن يفرضوا إسرائيل كقوة إمبريالية مهيمنة على المنطقة والشرق الأوسط تحديداً. هذا ما لا يتحدث عنه أحد ولا ينتبه له الكثيرون، وهو بالفعل أخطر مما يجري في المشهد كله. نتنياهو يريد أن يهيمن على المنطقة، وذلك يتناسب مع عدم تردده في تصريحاته الأخيرة التي قال فيها إنه يوافق على فكرة إسرائيل الكبرى التي تضم ليس فقط كل فلسطين، بل كل الأردن وكل لبنان بل أيضاً ثلثي سوريا والعراق وثلث المملكة العربية السعودية ونصف مصر. هذا ما قاله هو بلسانه، وهو ليس أمراً مخفياً. يصبح الأمر أكثر خطورة عندما يؤيده في هذا الكلام السفير الأمريكي في إسرائيل «هاكابي» دون أن يؤدي كلام السفير إلى أي انتقاد من الإدارة الأمريكية التي يمثلها.
لذلك الذي نراه في هذه الحرب المدمرة هو عدم وجود صحة للأهداف المعلنة، بل محاولة لفرض هيمنة إمبريالية إسرائيلية وقد فشلوا في ذلك. يؤسفنا جداً أن تتعرض دول عربية إلى أي ضرر في المنطقة، لكن كما ترى أن الولايات المتحدة التي نشرت قواعدها في كل العالم وفي هذه المنطقة أيضاً عاجزة عن حماية الناس أيضاً الذين تضع قواعدها عندهم. وبالتالي هذا تطور خطير.

الخطر على فلسطين

□ يقابل ذلك خطورة على الفلسطينيين في ظل معطيات الميدان في الضفة وغزة؟
■ صحيح، الخطورة أيضاً في ظل ما يجري في الأراضي المحتلة، فإسرائيل لا تخفي أن أحد أهم أسباب عدوانها على إيران فرض التطبيع معها وتصفية القضية الفلسطينية برمتها، وأيضاً تستغل انشغال العالم بالحرب وتحديداً غياب الإعلام عن متابعة ما يجري هنا لتصعيد أولاً عمليات خرق وقف إطلاق النار في غزة، ولتقليص المساعدات الإنسانية لغزة حتى أقل مما كان يجري قبل الحرب وقبل وقف إطلاق النار في غزة، وبالبطش بالضفة الغربية عبر إطلاق قطعان المستوطنين، فكما نرى يعيثون فساداً في الأرض.
وصل الأمر بهم ليس إلى حرق البيوت واقتلاع الأشجار وحرق السيارات، بل الآن أصبحوا يتجرؤون على إطلاق الرصاص على الفلسطينيين العزل، كما جرى مؤخراً حيث استشهد منذ بداية الحرب تسعة فلسطينيين برصاصهم. وفي حالة ما جرى في أبو فلاح شرق رام الله كان المستوطنون يحملون أسلحة من جيش الاحتلال الإسرائيلي وكانت أسلحة قناصة، ولذلك سقط ثلاثة شهداء، حيث قاموا بقنص اثنين مباشرة كأنهم في ساحة معركة. وبالتالي هناك خطورة مما يجري من انفلات المستوطنين ومن عمليات توسع استيطاني لم تتوقف ومن تدمير الاقتصاد الفلسطيني عبر إغلاق الضفة الغربية بمئات الحواجز، حيث حول الاحتلال بلدات بكاملها وقرى وكأنها في سجون مغلقة حرفياً، وذلك يتم عبر إغلاق البوابات العسكرية عليها وتركها مغلقة، وهي لا تقل عن 240 بوابة عسكرية تغلق هذه البلدات في الأراضي المحتلة.
أضف إلى ذلك ما تجرأت إسرائيل عليه، وهو ما تمثل بإغلاق الحرم الإبراهيمي في الخليل والمسجد الأقصى. ذلك يحدث لأول مرة في التاريخ يغلقان هذه المدة وفي شهر رمضان. وبالتالي ما يجري هو استباحة خطيرة للضفة الغربية والقدس، وكل ذلك يتم باستغلال انشغال العالم بما يجري في الإقليم من حرب على إيران.

□ إلى أي مدى يمكن أن تكون إسرائيل محقة في خططها وما تسعى إلى تكريسه عبر الحرب التي لا يعلم أحد إلى أين ستنتهي مآلاتها؟
■ بتقديري إن إسرائيل لن تتمكن من تحقيق أهدافها التي تتمثل بالتطهير العرقي في الأراضي الفلسطينية لا في غزة ولا في الضفة الغربية، وبالعكس إن كانت تظن أنها من خلال الحرب أطاحت بقضية فلسطين ووضعتها على الرف، لكن ما أنا متأكد منه أنه بعد هذه الحرب ستعود قضية فلسطين أكبر وأوضح من أي وقت مضى، وأحد المؤشرات المثيرة في هذا الصدد هو إعلان سلطنة عمان أنها ترفض التطبيع مع إسرائيل ولن تدخل في أي علاقات معها.
□ كيف تقرأ تصريح سلطنة عمان في ظل أنه جاء بعد قصف مخازن نفط؟ كيف نفهم هذا التصريح المباشر؟
■ عُمان دوماً ما كانت تلعب دور الوسيط، وهي حاولت العمل بجدية لتجنب هذه الحرب. وهي من المؤكد لن تتوقف عن القيام بهذا الدور كوسيط في المرحلة القادمة، وهي تعمل بتوازن دقيق، لكن أنا أعتقد أن كثيراً من الدول ستطرح تساؤلاً كبيراً حول تحالفاتها في المرحلة المقبلة. فإذا كانت تمنح القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها وللوجود في بلدانها بهدف الحماية، وفي المقابل تعجز الولايات المتحدة عن توفير هذه الحماية بينما تضع كل ثقلها العسكري لحماية دولة الاحتلال، فإن هذا سيجعل كثيراً من الدول تفكر فيما معنى وما قيمة هذه التحالفات التي تضر بمصالح هذه الدول.

وغزة؟

□ بالعودة إلى القضية الفلسطينية، فإن المؤكد أنها تم تهميشها، لكن السؤال ماذا عن واقع التهميش في قطاع غزة؟ ماذا يؤثر عليها؟ وما هي نتائج هذا التهميش؟
■ أحد أهداف العدوان على إيران، بما يترتب عليه من إشعال المنطقة بكاملها، هو إلغاء التأثير الذي حدث نتيجة تورط إسرائيل في حرب الإبادة على غزة، وحقيقة أن نتنياهو مطلوب للجنائية الدولية كمجرم حرب. إسرائيل تحاول أن تزيل هذه الوصمة وتحاول أن تستغل الحرب لجعل الناس ينسون ما وقع في غزة وما فعله طوال عامين. لكن أكثر من ذلك أن إسرائيل تنصلت من كامل التزاماتها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار. أولاً: عدد الشاحنات التي تدخل إلى قطاع غزة كان مقرراً أن يكون على الأقل 600 شاحنة يومياً، في حين أن غزة تحتاج نحو 1000 شاحنة يومياً، أما الآن فإن عدد الشاحنات لا يتجاوز 70–80 شاحنة وفي أحسن الأحوال مئة شاحنة. ومنذ بدء الحرب لم تدخل أي علبة دواء إلى غزة. ومنذ وقف إطلاق النار لم يدخل أي جهاز طبي واحد ولا جهاز مخبري واحد. فالمشكلة ليست في الكميات، بل في طبيعة الأشياء التي تدخل.
ثانياً: إسرائيل تواصل الخروقات التي تجاوزت الـ1650 خرقاً حتى اليوم، وهو ما أدى إلى استشهاد نحو 650 شهيداً، وكل يوم هناك عدد جديد، إلى جانب الأعداد الكبيرة من الجرحى. كما تواصل عمليات تجريف المناطق التي تحتلها والتي تصل مساحتها نحو 55% من قطاع غزة، وهو ما يجعلها مناطق غير صالحة للحياة على الإطلاق. كل ما يجري خطير ويحدث على مسمع ومرأى العالم، وهو يأتي إلى جانب ما تقوم به في الضفة الغربية.
المسألة الأخرى أن كل ترتيبات ما يسمى بمجلس السلام أصبحت في حالة جمود كامل، ولا يوجد أي حديث عن هذه الترتيبات، وبالتأكيد فإنه بعد هذه الحرب المدمرة فإن فرص الحصول على تمويل لإعادة إعمار قطاع غزة ستكون ضئيلة. ويضاف إلى ذلك أن اللجنة الوطنية الإدارية التي تم تشكيلها عاجزة عن أن تفعل أي شيء، فهي متروكة من دون أي دعم، وأعضاء اللجنة جالسون في القاهرة لا يفعلون شيئاً، ولا يسمح لهم حتى بالدخول. إلى جانب ذلك تتعزز الخطورة مع استمرار إغلاق معبر رفح، وهذا يعني أن آلاف الجرحى والمرضى ما زالوا عاجزين عن السفر للعلاج. نحن نتحدث عما لا يقل عن 18 ألف شخص، وبمعدل ما سمحت به إسرائيل للدخول والخروج فإنهم يحتاجون إلى سنوات حتى يتمكنوا من الخروج وتلقي العلاج. وهذا وضع خطير، لذلك حتى الترتيبات البسيطة التي تم إنجازها بعد وقف إطلاق النار اختفت خلال الحرب وتلاشت.
□ بدوتَ لي أنك متفائل بنتائج الحرب، من ذلك ما هي السيناريوهات المتوقعة من وجهة نظرك، وهي من المؤكد سيناريوهات تتفاوت مع مرور أيام الحرب؟
■ لا أحد يعلم بالضبط كيف ستنتهي هذه الحرب، ولكن كنت أقرأ قبل قليل مقالاً في صحيفة «يديعوت أحرنوت»، وعنوان المقال «إنهم بالفعل في حالة تخبيص»، في ظل أن الحرب لا أهداف واضحة لها. طبعاً عندما يضطرون إلى إيقاف هذه الحرب المدمرة التي تهز الاقتصاد العالمي، والذي من المتوقع أن يكون السبب في إيقاف هذه الحرب، فالأزمة الاقتصادية تعصف بكامل الكرة الأرضية، والسبب فشلهم في تحقيق أهدافهم. كانوا يراهنون على حدوث انهيار للنظام في إيران وأن تندلع ثورة ضد النظام، وكلها خيالات نسجها «الموساد» والجهات الاستخباراتية، واتضح أنها كلها خاطئة ومضللة، وبالعكس اتضح أنه نتيجة العدوان تجمعت الناس أكثر. في المقابل اتضح أنهم فوجئوا من تدخل «حزب الله» الذي امتنع عن نحو 10 آلاف خرق لاتفاق وقف إطلاق النار منذ أعلن في لبنان، حيث لم يرد ولا مرة واحدة، والنتيجة هي ما نراه اليوم.
برأيي، الأهداف التي وضعت لهذه الحرب، وبشكل عملي، يبدو أنها تتجه للفشل، والكل يدفع الثمن، يدفع ثمن هذه المغامرات العسكرية. السؤال المثير للسخرية أن الذي عمل على تأسيس مجلس يدعى بـ»السلام»، أين هو هذا المجلس؟ كان يجب أن يسمى مجلس الحرب. العالم يعيش أنظمة في ظل وجود حكومات وأنظمة غريبة جداً، والمؤكد أنها بذلك لا تخدم مصالح شعوبها ولا العالم أيضاً بهذه التصرفات المغامرة. ونتنياهو واللوبي الصهيوني يحاولان توجيه الأمور باتجاه مصالحهما الخاصة فقط. وكل من استشهد في هذه الحرب يدفع الثمن أينما كان انتماؤه. تدمير اقتصادات دول وأزمة عميقة، وفي حال استمرت لأسابيع فإننا سنصبح إزاء حالة من الركود العالمي.
ما يجري اليوم ليس أن النفط لا يخرج من دول الخليج وكذلك الغاز، بل سيتأثر كل شيء تقريباً. مثلاً الأسمدة لم تعد متوفرة، فإنتاجها يعتمد على مشتقات ومواد أساسية، وسيحدث تراجع في الزراعة وإنتاجية الاقتصاد العالمي، وهذا سيؤثر على كل شيء، بما في ذلك إسرائيل التي تخسر بحسب التوقعات يومياً مليار دولار، أما الولايات المتحدة فقد خسرت في يومي الحرب الأول والثاني نحو 5.3 مليار دولار، وذلك ثمن نفقات أسلحة.
في المقابل، مجرد بقاء إيران وصمودها كدولة يعني فشل العدوان.
□ إلى أي مدى بقاء إيران يخدم القضية الفلسطينية فيما لو فكرنا بأثر الحرب على القضية وتداعياتها؟
■ بتقديري أن القضية الفلسطينية لا يعتمد بقاؤها على دولة ما أو دول وأطراف أخرى. لقد أثبتت الحياة والأحداث ذلك. قضية فلسطين تعتمد على الشعب الفلسطيني نفسه. وبقدر ما يكون الكلام مؤلماً عندما نتحدث عن استياء عارم من المجتمع الدولي الذي لم يقم بواجبه في الحفاظ على القانون الدولي عندما يتعلق الأمر بفلسطين، واستياؤنا من قلة الدعم والتضامن الذي يجب أن يكون للشعب الفلسطيني، مع ذلك أنا أقول إن الذي جرى أكد لنا ما نقوله دوماً، فوسيلتنا لانتصارنا كشعب فلسطيني هي الاعتماد على النفس وتنظيم النفس وتحدي إجراءات الاحتلال.
بالتالي أنا أعتقد أن انتصار الشعب الفلسطيني سيعتمد على نقطة واحدة ومحددة الآن، وهي الصمود والبقاء في فلسطين سواء في غزة أو الضفة الغربية. وبغض النظر عما يجري من نتائج هذه الحرب فإن هذا الصمود متحقق. لكن طبعاً إذا فشلت إسرائيل في سعيها لأن تكون قوة إمبريالية مهيمنة على المنطقة فستكون هذه النقطة التي يبدأ فيها التراجع الإسرائيلي بعد أن تمددوا كثيراً بأوسع من قدرتهم. يعني نتنياهو حاول أن يبلع أكثر من قدرته على المضغ ويأكل أكثر مما يستطيع أن يهضم. وبالتالي ستكون هذه أول النتائج التي ستترتب على نهاية الحرب. إنها حرب إظهار العجز الإسرائيلي، فمهما بلغت كمية الأسلحة التي تتلقاها من الجهات الغربية ستبقى قزمة، لا يمكنها أن تصبح قوة إمبريالية عظمى تسيطر على الإقليم والشرق الأوسط كما تحلم.
□ أخيراً، كيف تقيم المواقف السياسية الفلسطينية، المواقف السياسية الرسمية المعلنة من ناحية، أو على مستوى تعزيز صمود الشعب الفلسطيني في ظل تنامي سياسات استهدافه وتراجع الاهتمام الإعلامي به؟
■ أولاً، القوى الفلسطينية كلها، ما عدا جهة فلسطينية واحدة، أدانت العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران، والسبب أنه عدوان ولا يجب السكوت عليه، وثانياً لأن الجميع أدرك أن الهدف النهائي منه هو تصفية القضية الفلسطينية. لكن، أنا برأيي على صعيد السلطة الفلسطينية ما زالت في حالة تخبط، والسلطة تدفع ثمن ما لم تطبقه بعد اتفاق بكين الذي كان يجب أن ينفذ في شهر تموز/يوليو من العام الماضي، وهذا وضعها في وضع حرج وجعلها فريسة سهلة للمحاولات الإسرائيلية لتدمير قدراتها واستلاب صلاحياتها كما يجري الآن، وهذا نراه أيضاً في موضوع غزة بشكل واضح. برأيي أن الخطيئة الكبرى تتمثل في عدم التوجه لتوحيد الطاقات والقوى الفلسطينية، وفي حال لم نفعل ذلك فلن يرحمنا ولن ينفعنا أحد.

ــ القدس العربي


مواضيع قد تهمك